المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

عبد اللطيف وليد نجم Headshot

بين مساجد ثلاثة

تم النشر: تم التحديث:

الرحمةُ تجلل روح جدّي الطاهرة، لقد كان له الفضل في سكب عشق الأماكن التاريخية والقديمة في قلبي، حتى بتُ أشعر أنني أنتمي إليها، وأحسها قطعةً منّي، بل أحس نفسي قطعةً من أحجارها المتراصّة، وإن كنت أزورها للتو واللحظة.

مسجد الحنبلي في مدينة نابلس كان محطتي الأولى مع جدّي، إذ كان -يرحمه الله- يفضّله على المساجد الحديثة المزينة والمزركشة، ولا يرى في قرب الأخيرة منه مزيّة لها على الأول، وكان يرى في الحنبلي سكينةً وخشوعاً لا يراه في أيّ مسجد آخر.

والحنبلي الذي يقع بقلب خان التجار في المدينة يمتد بشكل عمودي ومتوازٍ حتى طرف الخان تقريباً، حتى إنّ الجالس في أحد طرفيه يكاد يرى من يقابله على الطرف الآخر. ومن عجائب المسجد أنك ترى فيه أكثر من محرابٍ واحدٍ؛ إذ تقول الروايات إنّه كان لكل مذهب من المذاهب محراباً خاصاً به، وإن أصحاب كلِ مذهبٍ كانوا يصلّون في المسجد منفردين عن باقي المذاهب، وإن كُنتُ لا أعرف صدق تلك الرواية من عدمها، إلاّ أنني تعرفت إلى المسجد وقد اجتمع الناس فيه على إمام واحد.

وأنت إن زرت المسجد، فإنك لن تستطيع أن تغادره عقب الصلاة مباشرة، إذ لا بد لك من أن تتكئ على أحد الأعمدة تحت إحدى المراوح، وتغمض عينيك لبعض الوقت طمعاً بقسطٍ من الراحة لن تنعم به في مكان آخر.

والحديث عن الحنبلي يطول ولا ينتهي، ولكني أختم عن هيبته في ليلة السابع والعشرين من شهر رمضان، إذ إنك بالكاد تستطيع أن تجد موطئ قدمٍ في المسجد؛ ففي هذه الليلة من كل عام، يُخرج إمام المسجد شعرة مخبأة بإناءٍ زجاجيّ في إحدى خزائن المسجد القديمة، ويؤكد أهالي المدينة أنها من أثر النبي -عليه السلام-، فترى الناس متراصّة كلّ ينتظر دوره للتبرك بالأثر الشريف، ويالهيبة الموقف وجلاله.

في عمّان، وتحديداً مطلع عام 2002، كانت زيارتي الأولى للمدينة، ومن حسن حظي أنها كانت برفقة جدّي -يرحمه الله-، وكعادته يُفضّل البعيد المُهيب على القريب الفارِه الخاوي. إلى وسط البلد، وتحديداً إلى الجامع الحسيني الكبير، هذا المسجد الذي تطوقه المحال التجارية من جوانبٍ ثلاثة، أمّا الواجهة الرابعة فتمتد أمامها ساحة تزدحم بالباعة وأصحاب البسطات.

وأبهى ما في الحسيني مئذنتاه الشامختان، وأجمل ما فيه الميْضَئة القديمة والتي تنعشك بمائها البارد، ولعلك لن تدخل المسجد قبل أن تقف على سبيل الماء في ساحته الخارجية. ومثل الحنبلي، فإنه لن يسعك مغادرة الحسيني عقب الصلاة مباشرة؛ فالجلوس في المسجد والاتكاء على أحد جدرانه أو أعمدته، فرصة لن يحظى بها زائر مثلي كل يوم.

وأذكر أنني قصدت وسط البلد أكثر من مرة بغرض الصلاة في المسجد فقط، ولعله وللأمانة لم يكن السبب الوحيد، فليس لك أن تمر من تلك البقعة دون أن تعرّج على المدرج الروماني القريب من المكان جداً، فالجلوس في المكان خاصّة إن صادف وقت الغروب مسألة قد يغبطك كثير من القوم عليها.

ومن بركات الحسيني، أن زيارته تمنحك فرصةً لتناول أوقية أو يزيد من كنافة حبيبة الشهيرة، والتي لا تبعد عن المسجد سوى خطوات يسيرة، ولعلك تجمع بين الكنافة والجلوس على المدرج في وقت واحد.

العام 2009 كانت زيارتي الأولى للعاصمة السورية دمشق، هذه المرة أقف في ساحة الأمويّ دون جدّي -يرحمه الله-، إلاّ أن أنفاسه وروحه الطيبة كانت حاضرة هناك، فما لا يشبه الحنبلي في المكان يشبه بلا شك الحسيني، والأموي يا سادة حضارة لا تصفها كلمات، ولا تحتويها بضعة أسطر.

وأذكر أنني حدقت في النقوش التي تزين الأقواس الخارجية لوقت طويل، ولولا أن زميلي الذي رافقني في الزيارة نبهني لبقيت محدقاً لفترة لا أعرف كم كانت ستطول.

ولعل الوقت الذي ستمضيه في تأمل الأمويّ من الداخل لن يقل أبداً عن الوقت الذي ستقضيه في ساحته الخارجية، فهي ساحة فريدة نادرة، فيها الكثير من الأقواس والنقوش، وفي الساحة قباب صغيرة غاية في السحر والجمال، وهناك على الجوانب حجرات داخل إحداها فتحة يقال إنها المكان الذي وضع فيه رأس الحسين -عليه السلام- عندما حمل إلى دمشق، كما يضم المسجد من الداخل ضريح نبي الله يحيى عليه السلام.

وأهيب ما في الأموي أنه يضمّ ضريح الملك الناصر فاتح القدس يوسف بن أيوب (صلاح الدين الأيوبي)، وأجمل ما فيه من جهتي، أنه يقع في طرف سوق الحميدية، والذي يكاد يكون نسخة مكررة عن خان التجار في نابلس، فكأنني أزور الأمويّ والحنبلي في آنٍ معاً. ولعل هذا ما جعل طيف جدّي حاضراً طيلة فترة الزيارة.

وبالرغم من أني زرت الأمويّ مرتين خلال فترة يسيرة، فإنني ويالحسرة لم أروِ منه ظمئي، ولم تقر منه عيني، فيا ليت الزمان توقف لأنغمس فيه أكثر.

وإنّي لو بقيت أتحدث عن هذه الثلاثة لما كللت، ولا مللت، ولكنّه وصف موجز، وبوح مختصر، ولو أن الزمان يجود عليّ بواحدٍ مما يشبه هذه الثلاثة لأكرمني.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.