المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

عبدالله محمد القادوم Headshot

استغاثة موجَّهة إلى إحداهن

تم النشر: تم التحديث:

نداء أخير قبلَ الهروب إن سمعتيه سأكون سعيداً جداً، مغموراً في حبكِ الخيالي الذي أنتظرُ تحقيقه، إن لم تسمعيه سأكون غير ذلك، ولكن لا لومَ عليكِ إذاً، لكن بالطبعِ أتمنى أن تسمعيني، وبالمناسبة صحيح تماماً أن الكلمات المكتوبة كثيرة، وقد تأخذ من وقتكِ الكثير.

أنا لست بارعاً في كتابة مشاعري مثلك، ولا أستطيع أن أحبك؛ لأن حياتي مليئة بما لا يجعلني أحبك، بل مما يجعلني أخاف جداً جداً من حبك، فأنا كلما هدأت نار حياتي جاء شيء آخر ليجعلها تهب في وجهي الذي لا يستطيع أن يتحمل هبوب نار الحياة، فهو ما زال صغيراً، لكن قلبي يستطيع تحمل جمال روحك، ويريدك جداً، ولكنه لا يستطيع أن يقترب، فالتمسي لي عذراً.

أنا لا مكان في حياتي للخواتم والورود، ما زال صوت البارود يملأ أذني ودماء صديقي أثناء تظاهرنا تملأ عيني، والحنين كل الحنين لذاك المكان الذي ما كنت أفارقه أبداً طيلةَ حياتي، الأساطيرُ التي يظنونها خيالاً هي كوابيسُ نومي كل ليلة، المعتقل الذي مكثت فيه، شعوري بالذنب نحو كل أصدقائي المعتقلين والمعذبين والمقتولين.

في رحلتي الماضية طاردني رجال الشرطة، ونمت بين أحضان الشوارع التي كانت أدفأ كثيراً لي من زنزانتي الانفرادية، كلما عانقني في حياتي هو مجرد شوارع وبلاد وسجون، هل تظنيني سأستطيع عناقكَ؟ أو سأستمتع بحضنك الدافئ؟ أنا لا أظن ذلك.

أنا أبكي كل ليلة حين أسمع نشرة الأخبار؛ لأن بها صديقاً لي حدث له مكروه ما، أنا أعرف توقيت كل الدول؛ لأن كلها بها أصدقائي، أنا تجرعت وجع فقدان الهواء والأهل وكل الأحبة، وعشت من دونهم طويلاً، ما زلت أريدهم، لكن لا أعرف هل سأفرح حين عودتهم أم لا.

أنا أعتذر لكِ بشدة؛ لأني غرقت في بحار غربتي، ولم أصل إليكِ، أنا آسف بشأن كثرة ديوني وثقل أحمالي، أنا آسف؛ لأن سفري كان شراً لا بد منه كالآخرين، لكنهم سافروا لأجل أحلامهم، وأنا كان كل حلمي أنتِ وفقط، أعتذر لكِ جداً.

أمثالنا يا حبيبتي رصاص بلادهم طائش جداً يقتل بلا رحمة، ولا ينظر من سيبكي ومن سيصمت، سجون بلادنا يا حبيبتي واسعة جداً، لا تفرق بين مَن مع السلطة أو مَن كان ضدها، فكل جريمتنا هو سننا، وسننا لهم مخيفٌ جداً، وأنا أعلم أن تلك الحياة لا يطيقها أحد، مَنْفَايَ يا حبيبتي كبير جداً، وأنا لا أستطيع أن أحملكِ إلى نفس المصير، لا أستطيع أن أجلس كل يوم لأتحدث معكِ عن السجن والقتل والثورة والحرب، زخات الرصاص التي كنت بينها بالأمس، صديقي الذي ذهب ليجاهد في سوريا وارتقى شهيداً.

أريدك أن تعلمي أني لا أريد مضاعفة أعدادي، لا أريد وجود أمثلة كثيرة لما أنا عليه الآن، لكن إذا كانت لديكِ القدرة على إخراجي من الحالة التي أعيشها، فهيا بنا نشيد بيتاً جميلاً مملوءاً بما كنتِ تحلمين به يا صغيرتي، أما إذا كنتِ غير ذلك لا تقدرين ما أمر به فانصرفي الآن.

أيتها الجميلة البعيدة التي كلما حاولت الاقتراب منها بعدت أكثر، أرى فيكِ زينة الحياة وجمالها ودفئها، أرى الطمأنينة في أبهى صورها، أرى الكثير مما كنت أحلم به فيكِ وحدك دوناً عن كل جنسك، لا أريد غيرك فأرجوكِ اقتربي سريعاً؛ لأن المدة إن طالت أكثر من ذلك.. لا أعلم ماذا سيحدث، لكني سأكون بالطبع أسوأ مما أمر به الآن.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.