المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

عبدالله مودان Headshot

الحكي .. طريقة لتمديد الحياة

تم النشر: تم التحديث:

الناس خزانات حكايا، وذاكراتٌ ممتلئة بالقصص والأخبار، وأجمل الأوقات هي تلك التي كنا نقضيها حول الجدّات وهنّ يحكين لنا قصصا من ماضٍ سحيق نذهبُ إليه بمركبات زمن تخلقها حكاياهم، وأكثر ما يحزن هو أنه حين يموت شخص ما، فإن كل هذه الحكايات والعوالم والذكريات تموت معه!
إنها ميتاتٌ متعددة، وليست موتا واحدا فحسب ؛ كما يقول (ساراماغو)

وفيما يخصّ هذا الجانب من القراءة فإنني أريد التحدث عن القصّ والحكْي كما جرّبتُ وعشتُ ..

شخصيا تعلّقتُ جدا باثنين هما من أكثر من ساهم في تشكيل وعيي بالدنيا والحياة خارج نطاقي الضيق في حارتي ومدينتي وبلدي، وحدث هذا من حسن حظّي مبكرا في الصغر وبدايات الفتوّة، معهم عرفتُ بمعنى من المعاني كيف تكون "الحياة في مكان آخر".

الأول هو الشيخ المرحوم (علي الطنطاوي)، وأقول الشيخ وأنا أعلم كم تختزل هذه الكلمة كثيرا من شخصية الرجل الذي عرفه الناس متحدثا وكاتبا وأديبا وقارئا نهما يقضي ما لا يقل عن ١٠ ساعات يومية في القراءة، ويروي لي في هذا أحد أساتذتي عن أمين مكتبة الحرم أنه شاهده يوما في المكتبة وقد كبُرت سنه وضعف بصره، وكان يمرّ بإصبعه على عناوين الكتب في الرفّ كتابا بعد كتاب، فجاء إليه يسأله إن كان يريد كتابا ليقرأه، فأجابه الشيخ بأنه يبحث عن كتابٍ لم يقرأه بعد !
هذا الرجل العظيم عشتُ معه أوقاتا بديعة في "قصص من الحياة" و"قصص من التاريخ"، تحديدا، وهي كتبٌ وإن درَست ذكرياتها الكاملة عندي لأنني كنتُ صغيرا جدا حين قرأتها أول مرة، إلا أن طعمَ الدهشة في فمي منها لا يزال طازجا.
عظمةُ النصّ الأدبي تكمنُ في قدرتِه على الخلود، ولا أزال أذكر قصةَ "أبي سفيان" وكيف استوعبتها مُدرَكاتي، وأتذكر قصة "الخادمة" أيضا في أشد خيالاتي الإيروتيكية جموحا.
وشيء آخر أيضا جرّبتُه معه، وأتفق فيه تماما مع أحد أصدقائي، وهو أنني لم أحب يوما مدينة من حديث أحدهم المستمر عنها، كما فعلتُ مع دمشقِ علي الطنطاوي، وقد جُمعت كل مقالاته عنها في كتابٍ اسمه على اسم المدينة التي أَحبَّها فأحببتُها وأحببتُ أزقتها ورائحة الياسمين في شبابيكها والشاي في المقاهي حول الجامع الأموي .. ولمّا أزرها بعد. أما اليوم، فأين يا إلهي دمشق الياسمين ؟!

أما الآخر فهو الرحّالة العجيب الشيخ (محمد بن ناصر العُبُودي)، الذي اعتدنا سماع صوته العذب في إذاعة القرآن وهو يحكي عن تطويحاته وزياراته للبلدان، إبّان عمله في رابطة العالم الإسلامي. كنّا معلقين بذلك الحبل غير المرئي الذي ينطلق من المذياع نحو البلاد البعيدة، والأحاديث التي تندلق من فمه كالأزهار عن بلاد الله الشاسعة. معه عرفنا زمن التدوين عن الرحلات الحقيقي، فهو وإن كان مسبوقا في التراث لهذا إلا أنه أقرب الأمثلة المعاصرة، والذي جابَ الدنيا من أقصاها لأقصاها جالبا من كل بلدٍ حكاياته الرائعة وطقوس شعبه المتباينة، وطباعهم اليومية.
قبل سنة، وفي حديث مع أحد الأصدقاء، أخبرني كيف كان يقضي في مكتبة الحرم ساعاتٍ يقرأ في رحلات الشيخ، وحتى ذلك الحين لم أكن أدري أن هذه الرحلات مدوّنة في كتب، فتكرّم بطلب المجموعة الكاملة من أحد معارفه في الرياض وأهدانيها بعد أيام، وهي الآن تتكئ بفتنة في بعض رفوف مكتبتي.
كما أن هذا ما هو إلا جانب واحد فقط من شخصية العبودي، فهو صاحب تأليف وجدّ في كثير من الفنون، ليس أولها أدب الرحلات، وليس آخرها المعاجم. وقبل عام قدّم ندوةً حضرها بعض الرفاق وهو قد تجاوز التسعين، وكان حيّا مقبلا على الحياة كعادته !
إنها روحٌ تجعلني أتطامن في ثيابي شاعرا بالعارِ والخجل من كل الكسل الذي يتلبّسني ويسيطر عليّ.

ومما يجعلني أبتسم وأتعجب هو طريقته في تسمية كتبه عن البلدان التي زارها، وهو شيء لا أدري ما سببه ! ربما لأن هناك لمسة أسطورية في طريقته تلك، أو لأنها تشبه أسماء الأفلام .. خذ مثلا:
"داخل أسوار الصين"، "فوق سقفِ الصين"، "مقال في بلاد البنغال"، "القلمُ وما أوتي في جيبوتي"، "بقيّة البقيّة من حديث إفريقية"، "المستفاد من السفر إلى تشاد"، "نظرةٌ إلى الوجه الآخر من الأرض" "من بلاد القرتشاي إلى بلاد القبرداي"، "على أرض القهوة البرازيلية"، أما عن أعجب عناوين كتبه عندي فهو "على قمم جبال الإنديز" ؛ عنوان يرميني بقوّة نحو تلك الجبال ويعلّقني في غيمِها.
والشيخ في سردِه جميل وبسيط، والقراءة له غير مرهقة. صحيح أن السرد يدور حول الوجود الإسلامي والمسلمين في تلك البلدان، إلا أنك لا تعدم نظرةً على جوانب الحياة المختلفة خارج هذه الدائرة، بل إنه عالميّ بمعنى من المعاني -وكأنه جيفارا-، فهو يقول مثلا: "البرازيل عمرَها الله !"
وهو في تلك الكتب يضع بعض الصور له فتجده أنيقا لا يتحرج من لبس الكرافتة والبنطلون، وترى في بعض تلك الصور نساء، وهو في هذا يبدو متخففا جدا، ومحلّقا بخفّة وبساطة فوق مدارِ السائد الفقهي في تلك الأيام.

أكتب كل هذا وأتذكره لأنني جلستُ قبل أيام مع السائق للعشاء معه في غرفته وتحدثنا كثيرا. تركتُ له الزمام فانطلق يحكي ويحكي بلا توقف، وبلغةٍ عربية منهكة.
لم أرِد أن ينهي (أصغر علي) حديثه، ولولا أننا محكومون بقياسات الوقت، لقلتُ أنني مررتُ بأبدية كاملة وأنا أستمع له.
تحدث عن "باكستان" وكيف نشأ وشبّ، وكيف تزوج ابنة الجيران التي أحبّها، وعن أبنائه الأحياء السبعة، والتسعةِ الذين قضوا. تحدث عن خدمته في الجيش لعشرين سنة، وعن أزمة "كشمير" التي تجدد ثوبها في كل عام مرة أو مرتين بين الهند وباكستان، وهو هنا تصالحي جدا إذ يقول أن الحل للمشكلة بين البلدين هي في التفاهم والتسامح ! هكذا ببساطة يعلّم البسطاءُ ساسةَ العالم كيف يكون حل المشكلات. إنها خطةٌ بسيطة بإمكانها إنقاذ عالمنا المائس في دمهِ منذ الأزل.
كنتُ أستمع له وأتعجب، أتعجب من اختباء كل هذه الحكايا في دواخلِ الناس ! لقد غبتُ مع نفسي أثناء حديثه وهمهمتُ: إذا كانت كل هذه الحكايات مختبئة فيه، فمن حولي إذن ألف قاصٍ ومليون حكواتي .. من أين لي يا إلهي بحياةٍ ممتدة تكفيني لسماع كل قصص الناس ؟!"

ضحكتُ حتى كاد يُغمى عليّ إثر سماعي إحدى قصصه، فقد كلّف في ٢٠٠٧م بالذهاب مع كتيبة باكستانية ضمن قوات الأمم المتحدة لحفظ السلام في الكونغو ومكث هناك عاما كاملا، وخلال هذا العام كوّن صداقاتٍ تقاطعت مع جنودٍ من الدوائر الأخرى، عدا جندي أمريكي دأبَ على شتمِ باكستان باستمرار، واستفزاز الجنود الباكستانيين بكلام ثقيل صبرَ عليه ورفاقُه كثيرا. وفي ليلةٍ على العَشاء، مارس الأمريكي استفزازه المعتاد، ويبدو أن صاحبنا حينها كان قد استنفد آخر قدراتِ التسامح وضبط النفس، فهبّ نحوه يمنعه، فزادَ في استفزازه ولم يملك سوى أن يلطمه على وجهه ما أثار زوبعةً من التلاسن والفوضى بين الجنود، ثم هدأ الوضع واستُدعي المتخاصمون لرؤسائهم. وفي المكتب لامَه رئيسه الباكستاني على فعلته، وبيّن له أهمية حفظ النظام والانضباط، واحترام الجنود من الجنسيات الأخرى والالتزام بكود الشرف العسكري، لكنه حين أخبره بحقيقة الواقعة، قال له العقيد في لحظةٍ نسي فيها قواعد الدبلوماسية: حسنا فعلت!

مع (أصغر علي) ضحكتُ وكدتُ أبكي، واستغربتُ وتعجّبتُ، واندهشتُ وسكنتُ. يقولون إنه لا يجب أن يكون الشخصُ عاطفيا -جدا- تطوّح به كلمة وتذهبُ به قصة، لكنني أرى أنه شيء جميل أن تحاول أن تمدّد حياتك بالغوص في حيوات الناس، وأن تلتقط المعاني منهم قبل أن تلتقطكَ وتلتقطهم كفوف المنايا، وأن تخرجَ من ذاتك إلى ذوات الآخرين فربما تعرّفت شيئا جديدا في الطريق للذاتِ العليا.
إنها حياةٌ واحدة قصيرة، لكنني سأمدّدها بالآخرين. صحيح أنني مدينٌ للقراءة، لكنني سأحاول ألا تغيّبني عن الحياة وعن الناس.

لا أريد أن أصير إلى ما صار إليه الراوي في "زوربا" حين قال:
"لقد انحدرتُ كثيرا حتى أنني إذا اضطررتُ للاختيار بين الوقوع في حبّ امرأةٍ وقراءة كتاب عن الحب، أختارُ الكتاب"

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.