المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

عبدالله حبت Headshot

لن يتذّكر أحد

تم النشر: تم التحديث:

حاولت جاهداً أن أتذكر اسم هذه المادة فلم أفلح، كل ما أتذكره، الامتحان بعد أيام، لم أنتهِ من مذاكرة نصف المقرر، درجتى في "الميدترم" ليست على ما يرام، صديقي يطلب مني مساعدته في نقل "عِزاله" من الشقة -بعد انتهاء مدة العقد- إلى مكان آخر.

الوقت ضيق جداً، وأنتم على دراية أكثر مني بطبيعة الوقت في أيام الامتحانات.. حسناً سيذهب أحد أصدقائنا الليلة ليساعده في "لَمّ العِزال"، وأحضر أنا غداً للمساعدة في عملية النقل، وأسهر الليلة لتعويض الوقت الضائع غداً.. حسناً، المكتب نظيف.. كوب الينسون.. المذّكرات.. الأقلام.. المذياع بصوت خفيض على برنامج ما.. باسم الله أبدأ.

(ترررررررن): "هات كل الشنط الفاضية اللي عندك وتعالى دلوقتي" هكذا نطق صديقي بلهجة آمرة بلا أدنى مقدمات أو سلامات، وأنهى المكالمة سريعاً حتى لا يعطيني أي فرصة للرد أو التفكير!

اللعنة على الشنط، اللعنة على الشقق التي ينتهي عقدها قبل انتهاء العام الدراسي، اللعنة على الينسون والمذكرات والامتحانات.. اللعنة عليكم جميعاً!

لا أتذكر كيف ذاكرت باقي المنهج، وبالطبع لا أتذكر شيئاً عن أدائي في الامتحان، ولا تقديري في هذه المادة "المهم أني نجحت"، ولكن ما لا يمكن أن أنساه أو ينساه أي من أصدقائي، ذكريات هذه الليلة: لَمّ العزال.. وداع الشقة.. لسعة البرد على كورنيش الإسكندرية.. أحداث اليوم التالي، لن ينسى صديقي أبداً ما فعلناه معه.

سأتذكر صورته وهو يحمل خمس شنط على كتفيه وحده، سترغمني صورتي أنا وصديقي -ونحن ننافس شيَّالي محطة مصر- على الابتسام كلما مررت عليها، ستصير هذه الليلة مادة للتندر كلما اجتمعنا بعد طول غياب.

أما التفاصيل الصغيرة التي تبدو لنا في وقتها مهمة، ونظن أن الأرض ستتوقف عن الدوران حول الشمس لو لم نقُم بها، هذه التفاصيل لن يتذكرها أو يذكرها أحد يوماً ما، لكن الذكريات الجميلة التي تنتج عن بعض التصرفات المجنونة، وهامش من المخاطرة المحسوبة، لا بد أن تصاحبها تضحيات عظيمة.

هل تتذّكر في أي مباراة حصل أبو تريكة على كارت أصفر بعد إحرازه هدفاً ورفعه للتيشرت لتظهر عبارة "تعاطفاً مع غزة" لتلفت انتباه العالم كله لما يحدث فيها من عدوان إسرائيلي غاشم؟ هل تتذكر نتيجة المباراة؟ هل تتذكر الهدف نفسه؟ هل تتذكر اسم البطولة؟ هل تتذّكر أي شيء عن هذه المباراة سوى صورة أبو تريكة وهو رافع التيشرت ليغطي وجهه محلقاً بذراعيه في وضعية النسر الشهيرة؟

مما لا شك فيه أن أبو تريكة واجه الكثير من المشاكل أكبر من مجرد كارت أصفر نتيجة لهذا الموقف ولكثير من المواقف التي اتخذها لاحقاً، والتي ستذهب كلها ولن يتبقى إلا صورة أبو تريكة متربعاً على عرش قلوب الجماهير.

أتذّكر هذه الليلة التي قررنا أن نودع فيها الحياة الجامعية، جلسنا في ملعب المدينة الجامعية الأخضر المظلم إلا من ضوء القمر، وقد أحضرنا ما يليق بهذه المناسبة من حلوى ومرطبات، جلسنا نتسامر ونتصافى ونتذّكر أيامنا الأولى في الجامعة بعسرها ويسرها وها نحن على مشارف الوداع، تفلت الوقت من بين أيدينا حتى داهمتنا ساعات الصباح الأولى، فإذا بأحد الأصدقاء الذي يصغرنا بعامين يصيح قائلاً: "يا جماعة الوقت اتأخر، وأنا عندي محاضرة بكرة الصبح.. يلّا بينا".. لا يدري صديقي لِمَ ضحك منه الجميع حتى ردّ عليه صديق آخر من المخضرمين "محاضرة إيه يا ابني.. الليلة دي مش هتتكرر تاني أبداً"، وبالفعل كانت اخر ليله تجمع هذا العدد من الأصدقاء معا حتى نهاية حياتنا الجامعية.

حسناً، في حياة كل منا كثير من هذه المواقف التي استطاع فيها أن يتغلب على شبح التفاصيل الصغيرة، ويضيف لحظة سعيدة لدولاب الذكريات، وأحياناً كثيرة تغلبت علينا التفاصيل مرة بدافع ضيق الوقت، وأخرى بالتزامات العمل التي لا تنتهي والعجز الدائم في الميزانية والكسل... وكثير من التفاصيل التي لن تتذّكرها بعد يوم أو اثنين من مرورها.

لذا دعنا نتحرر قدر المستطاع من قيد التفاصيل الصغيرة التي تزول بزوال الموقف.. تفاصيل لن يتذّكرها أو يذّكرها أحد يوماً ما.. تفاصيل تفسد كثيراً من
مشاريع ممكنة لصناعة لحظات سعيدة.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.