المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

عبدالله حبت Headshot

ويسألونك عن الزواج

تم النشر: تم التحديث:

أسير في صبيحة أحد أيام شهر يناير/كانون الثاني الباردة في أحد الشوارع الرئيسية لمدينتنا الصغيرة مرتديا بنطالاً بُنياً وجاكتاً ثقيلاً وقلنسوة رأس من نفس اللون؛ ليستوقفني أحدهم فجأة! ظننته في البداية غريباً عن البلدة يسأل عن الطريق.. فإذا به يسألني عن اسمي ومحل سكني وماذا أفعل هنا ولم يطمئن حتى أخرجت له بطاقة هويتي ليتأكد أني من أهل البلدة.. لم أملك إلا أن أجيبه حتى دون أن أتحقق من أوراق ثبوتيته.. فنحن بعد عام واحد من تقلد الجنرال لأمور الحكم وهو في أوجّ شعبيته ومن تظهر عليه علامات الاعتراض فمصيره محتوم ولا بواكي له؛ لينهي حديثه الثقيل معي بنصيحة من يخشى عليَّ من شر نفسي "عايزك يا عبد الله بعد كده إما ترد علينا ترد كأنك مصري"!!.

حقيقة لا أدري كيف يرد المصريون.. والحمد لله مرت هذه المرة هي الأخرى بسلام، ولكن ماذا سيحدث لو لم تسلم الجرة في واحدة من تلك المرات التي يوقفونني فيها بسبب هيئتي أو نظراتي اللامبالية لبدلتهم الرسمية.. وأنا الذي أجوب البلاد طولها وعرضها متنقلاً وراء لقمة العيش، ليس ببعيد عنكم ولا غريب على أسماعكم قصص الاعتقال العشوائي والاختفاء القسري لأتفه الأسباب، وأحياناً بلا سبب يذكر سوى "مزاج الباشا"، التي لم يسلم منها عوام الشعب.

كلما تجول هذه الفكرة في خاطري وأتخيل حجم المعاناة وما سيحيق بأسرتي من أذى، أُحجم عن الزواج وعن فكرة تكوين أسرة جديدة.
فما ذنب تلك اليمامة؟
لترى العشَّ محترقاً.. فجأةً..
وهي تجلس فوق الرماد!؟ "لا تصالح لأمل دنقل".

أجلس مع أصدقائي على مائدة الإفطار في حي مصر القديمة، نتجاذب أطراف الحديث.. أسرح بأفكاري لوهلة لأدرك حقيقة أنني الوحيد بينهم الذي لم أدخل في الدوامة.. اثنان منهم في انتظار خبر سعيد، واثنان يؤكدان على موعد الزفاف، والخامس انتهينا من خطبته منذ شهور قليلة.. أعود لأمي فتحدثني عن "أن العمر بيجري وعايزة أفرح بيك وانت ناقصك إيه و.."، أذهب للعمل فأخادع أصدقائي والعمال مازحاً بأني متزوج ولدي ابنتان لأتجنب حديثاً طويلاً ونصائح بلا عدد أنا في غنى عنها.

حسناً من أوحى لكم بأني لا أريد الزواج.. من قال لكم بأني لا أريد أن تكون لي رفيقة درب تؤازرني في هذه الحياة الشاقة، صديقة تشاركني لحظات الفرح والحزن، تهتم بي وأهتم لحالها، نجوب معاً بلاد الله، نتفق أحياناً ونختلف أحياناً كثيرة، نضع سوياً طريقة لحل مشكلاتنا، نخوض سوياً غمار لعبة الحياة بقواعدها العادلة، ننجب أطفالاً يملأون حياتنا بهجة ويكونون نعم السند عند الكبر.. لأصطدم بواقع الحال، أننا في بلد لا يضمن حياة كريمة لـبنائه، فلا تعليم جيد، ولا تأمين صحي ولا أمان على أرضه، ويقتل أي أمل في المستقبل.

لا أدري حقيقة كيف سأربي ولدي، هل أعلمه أن الغش حرام، وأن حب بلاده فريضة والدفاع عنها واجب.. أن يحترم قوانين بلاده ومؤسساتها.. أن يجد ويجتهد حتى يلقى حياة كريمة!

حتماً سيكبر ولدي ويمرّ بامتحانات الثانوية، لا أدري هل سيتمسك بما علمته إياه وهل من العدل أساساً أن يتمسك به، من المؤكد أنه سيفعل المستحيل حتى لا ينفق ثلاث سنين من عمره بلا طائل.. سيعلم وحده كيف يتحايل على القانون، كيف يتحاشى أقسام الشرطة وأمناءها.. سيحاول جاهداً أن ينظر إلى بلاده من شباك الطائرة.

أتخيل ولدي وهو عائد من المدرسة بعد مشاجرة مع ابن المستشار فلان.. أتخيل زوجتي وقد أصابها ما لا طاقة لي بتحمل تكاليفه.. أتخيل الحياة وهي تكيل لي الصفعات في حلبة مصارعة بلا قواعد.

كيف تنظر في عيني امرأة..
أنت تعرف أنك لا تستطيع حمايتها؟
كيف تصبح فارسها في الغرام؟
كيف ترجو غداً.. لوليد ينام
كيف تحلم أو تتغنى بمستقبلٍ لغلام
وهو يكبر -بين يديك- بقلب مُنكَّس؟ "لا تصالح لأمل دنقل".

أسمع من يقول بأن الأمر أبسط من ذلك بكثير، وأنه لا داعي لهذه النظرة التشاؤمية للأمور، وأن أرض الله واسعة، وأن الزواج هو سنة الحياة، وأن أنظر للأمور بمنظور أوسع.. يجول كل هذا في خاطري وأقتنع به أحياناً، ولكن سرعان ما يثبت لي الواقع عكس ذلك.

ومع ذلك فأنا لا أطالب إلا بحقي في حياة كريمة في بلدي ووسط أهلي الذين يتحدثون العربية بلهجة مصرية بعيداً عن تلك النظرة "أنتم ضيوف عندنا.. عودوا لأوطانكم"، التي يحدثنا عنها كل من استقر به المقام من أبناء المحروسة خارج أرضها.

أنا لا أطالب بالكثير ولا أدري لعلي أرضخ لطلب أمي أو لعلها الأيام.. حتى ذلك الحين أرجوك لا تسألني عن الزواج.

أهوى الحياة كريمة لا قيد لا إرهاب لا استخفاف بالإنسان "رسالة في ليلة التنفيذ لهاشم الرفاعي".

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.