المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

عبدالله حبت Headshot

استراحة منتصف الرحلة

تم النشر: تم التحديث:

"تخيل أنك تسير في صحراء قاحلة؛ حيث لا حياة ولا زرع ولا ماء، وأثناء مسيرك صادفت واحة خضراء وارفة الظلال، وداخل هذه الواحة حديقة غناء هي أجمل ما في الواحة وأكثرها خضرة وظلالاً، فكذلك رمضان بالنسبة لسائر العام واحة خضراء وسط صحراء قاحلة، والحديقة الغناء هي العشر الأواخر.. فاغتنموها".

هكذّا يُحدثنا مسؤول المعتكف - وهو بالمناسبة والدي - في أول ليلة لنا بعد نصب الخيام وإفراغ الشنط في جلسة افتتاحية عن فضل العشر الأواخر وكيف نغتنمها.

أجلس وأنا ابن الأحد عشر ربيعاً مأخوذاً بهذه الأجواء وهذا الجمع الطيب، نصلي العشاء والتراويح ثم نستريح قليلاً، ونصحو لنقيم الثلث الأخير من الليل، ثم الاستعداد للسحور وصلاة الفجر، فالذّكر حتى الشروق.. يا لها من أيام! ما زلت أتذكر مجموعات الخدمة التي نتناوب عليها في خدمة المعتكفين، والدرس اليومي بعد صلاة العصر، وجلسات الذكر التي تؤنس القلب وتذكرتي الصغيرة بين التراويح وحزني الشديد؛ لأن اعتكافي ليس كاملاً كأبي، لخروجي للمدرسة والدروس الخصوصية، كنت أحزن كثيراً لغياب العم فلان، أسأل والدي، فيجيبنى بانشغاله هذا العام.. كيف هذا؟! كيف يُضيع هذه الأجواء الرائعة؟ وما هو نوع المشغوليات التي تجعله يفوت هذه الفرصة؟! وما لا يفارق ذاكرتي، اليوم الأخير.. وداع المعتكف وتفرق الجّمع، فراق جدران المسجد التي احتوتنا لعشر ليالٍ، نذهب مع وعد صادق بالعودة في العام القادم.

رفض أبي أن يُدخل التلفاز إلى بيتنا مع عدم إمكانية التحكم الكامل فيه - تذّكر أننا في أواخر التسعينيات - وبالتالي توجهنا إلى القراءة، بداية بمجلة ماجد وبلبل وسمير وحكايات المغامرون الخمسة التي ننتظرها بفارغ الصبر ونتسابق أنا وإخوتي على قراءتها، ثم روايات رجل المستحيل.. حلم كل فتاة وقدوة كل شباب هذا الجيل؛ ليخطفنا العجوز رفعت إسماعيل بصلعته المميزة وأمراضه المزمنة وبذلته الكحلية التي تجعله فاتناً، ثم انتقلت في الثانوية لمكتبة أبي العامرة لأقرأ لنجيب الكيلاني وأقابل عذراء جاكرتا، وأسير مع عمالقة الشمال، وأراقب الظل الأسود لإياسو، ملك الحبشة المسلم.

ويعود أخي الأكبر كل عام محملاً بالكتب من معرض الكتاب لأقرأ لعبد الوهاب مطاوع وأنيس منصور ومحمد قطب وغيرهم.. متى سيتوقف هذا النهم؟! أظنني لن أمل من القراءة، ولن تمل أمي من مراقبتي للتأكد من عدم وجود رواية بين دفتي الكتاب المفتوح أمامي.

الطامة الكبرى.. حينما يرتفع صوت أصدقائي بالنداء عليّ - قبل انتشار الجوال - للعب الكرة، وأنا منهمك في قراءة رواية أو كتاب ما.. فكلاهما متعة عظيمة لا يضاهيهما شيء بالنسبة لي.

أظنني لاعباً جيداً، سريع الحركة، أُجيد قطع الكرات وبداية الهجمات، لا أقبل الهزيمة بسهولة، ونتيجة لذلك لا أخلو من الإصابات ولا تمر إجازة صيفية إلا وقد أصبت بتمزق في الأربطة أو التواء في الكاحل، حتى بعد إصابتي بقطع في الرباط الصليبي، عاودت مرة أخرى للعب الكرة ليس بنفس المستوى السابق ولكنني عدت، يبدو أنني لن أتوقف عن لعب الكرة وممارسة الرياضة.

فرضت عليّ نشأتي في بيت ملتزم والانطباع العام لدى أصدقائي عني سلوكيات معينة، خصوصاً فيما يتعلق بالتعامل مع أقراني من البنات، فطوال الفترة الثانويه لم أحتك بهن بتاتاً، على عكس ما حُكي لي من صولات وجولات لأصحابي في هذه الفترة، حتى مع دخول المرحلة الجامعية والانتقال إلى مدينة أكبر وما فيها من انفتاح وذوبان للحدود بين الجنسين، ظللت على عهدي ومع بدء انتشار الأجهزة الرقمية، أصبح أسهل ما يكون أن تبدأ محادثة باسم حساب مزيف بالجملة الأشهر حينها "هاي.. ممكن نتعرف".

صديقي يقضي الساعات أمام اللاب توب الخاص به متنقلاً بين خمس نوافذ حتى تمّل يده من الكتابة، أراقب أصدقائي في المدينة الجامعية وقد استلقى كل منهم على فراشه ولا تسمع إلا أصوات النقر على الجوال - قبل ظهور الهواتف الذّكية - وضحكات متقطعة من آن لآخر.

رغم الأجواء المحيطة رفضت تماماً أن أبدأ في أي علاقة رقمية أو واقعية كانت، ولم تكن نشأتي الملتزمة هي الدافع الوحيد فرغبتي في المحافظة على عذرية مشاعري لأكتشفها أنا ومن يختاره قلبي فلا أستهلكها بلا طائل فيما لا ينفع، مصداقاً لقول أبي تمام "نقل فؤادك حيث شئت من الهوى.. ما الحب إلا للحبيب الأول، كم منزل في الأرض يعشقه الفتى.. وحنينه أبداً لأول منزل"، إذاً فستكون زوجتي هي حبيبتي الأولى.

لم تكن الهندسة هي شغفي الأول فأنا حقاً لا أحُب الرياضيات، أُفضل دراسة التاريخ وأجد شغفي في العمل الإعلامي، ولكنه البحث عن كلية القمة والمكانة الاجتماعية ورغبة أمي التي جعلت الهندسة نُصب عينّي.. ما زلت أذكر حديثها وهي تحفزني "عايزة الناس تشوفك وتقول الصغنن اللي هناك ده.. هو مهندس الموقع".. حسناً يا أمي لقد تخرجت في كلية الهندسه ومع حصولي على أول وظيفة لم أتوقع أن أستمر لأكثر من ثلاثة أيام وراودني دائماً إحساس بوجودي في المكان الخطأ وأنني لن أستمر في هذا المجال.

أقترب حثيثاً من منتصف عامي السابع والعشرين، انتقلت حديثاً للعمل في شركة في إحدى دول الخليج بعد أربعة أعوام من العمل الجاد والترقي السريع في مصر، وها أنا غارق في الأرقام والمعادلات والخامات.. أقضي جلّ وقتي بين العمال والمعدات، سأعود بعد انتهاء مدة تعاقدي؛ لأجد أمي تُرشح لى فلانة وتحدثني عن أهمية الزواج وسرعة الأيام و.. لن أعترض غالباً.

قلَّت معدلات ممارستي للرياضة بشكل مُريع، قد يمر أكثر من ثلاثة شهور بلا أي نشاط يُذكر، مع ضغوط العمل والروتين اليومي، حتى أيام الإجازة نُفضل الراحة في البيت، أصبحت زيارة أختي أمراً شاقاً فهي تقطن في الدور الخامس في بناية بلا مصعد، لا داعي طبعاً أن أخبركم أنني توقفت عن القراءة المنتظمة ردحاً من الزمن، اللهم إلا رواية بين الحين والآخر يرشحها صديق لي أو تُحدث ضجة على الإنترنت.

حاولت جاهداً طوال الخمسة أعوام الماضية أن أعتكف لأكثر من ليلة ولم أفُلح، وأصبحت أنظر لمن بالداخل نظرة انبهار، كيف تنقطعون لعشر ليالٍ كاملة عن العالم الخارجي.

أدرك أن الإنسان لن يُحصل كل شيء.. لا بد أن تتنازل عن شيء حتى تُحصل الآخر، ولكن هل نعلم حقاً ما نريد وما هو ترتيب الأولويات في خضم سرعة الحياة؟ هل أنكفئ على عملي وأجني المال أم أجوب العالم وأكتشف الحياة؟ أم أستقر في بلدي وأؤسس عائلة؟ الهجرة كذلك فكرة تداعب الأذهان، لا ندري حقاً ما نريد ولا ندري هل نستطيع تحمل نتيجة وكُلفة اختياراتنا أم لا؟ وهل بوسعنا الاختيار أم أننا مجبرون كزورق صغير تتلاعب به أمواج المحيط؟

لا بد من هدنة وفرصة لالتقاط الأنفاس، واستراحة في منتصف الرحلة لإعادة التفكير ورسم خطوط الطريق.

سأبدأ فوراً بعد انتهائي من بعض الأعمال في المكتب، خصوصاً أنني سأنتقل للموقع الجديد بعد أيام، وعمل الموقع يختلف تماماً عن المكتب؛ حيث العمال والتقارير اليومية ومتطلبات العميل، فضلاً عن ضيق الوقت... إلخ.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.