المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

عبدالله الغضوي Headshot

كيف أجلت روسيا قتال الأخوة الأعداء.. "النصرة" و"أحرار الشام"؟

تم النشر: تم التحديث:

بقصد أو بغير قصد، كان للتدخل الروسي في سوريا أثره في دفع الفصائل المتباعدة إلى العمل سوية وتوحيد أهدافها حول عدو مشترك، وتأجيل الكثير من الصراعات المتوقعة بين القوى الأساسية اللاعبة على رقعة الشمال السوري.

فالصدام بين "جبهة النصرة" وأحرار الشام، لم يكن بحاجة إلا إلى مساحة جيدة من الوقت وقرب مؤشرات سقوط النظام، حتى تبرز مفترقات الطرق وساعة الحقيقة بين الطرفين. بالنسبة لساحة الصدام فبكل تأكيد ستكون مناطق الشمال وبالتحديد محافظة إدلب وريفها، ذلك أن الجغرافيا الحاملة لهاتين القوتين المتوازنتين لا تحتمل وجودهما معا على مساحة صغيرة نظرا لتداخل وتماس مناطق السيطرة بينهما، وللاختلاف في المشروعين في رسم "حدود الجهاد".

كان للضربة المبكرة التي تلقتها "جبهة النصرة" من تنظيم الدولة الإسلامية "داعش" بإزاحتها من دير الزور، وما أعقبه من إعدامات ميدانية لقادتها ومحو كل آثارها في المنطقة أثر عميق في أدبيات التنظيمين، تعمقت على إثره ثارات "أخوة الجهاد".

دفع ذلك الحادث بالجبهة لتكون أكثر اقترابا من روح المجتمع السوري، بل يعتقد اليوم أن ذلك الموقف مع "تنظيم الدولة" جعل الجبهة أكثر قبولا لمحاولات الترويض من "الإسلام السياسي السوري".. وقد تحركت الجبهة بعد تلك المواجهة على مستويين؛ الأول: تحديد وتوصيف معنى القوة على الأرض، وبناء ما يسمى بجيش النصرة الذي يبلغ قوامه 9 آلاف مقاتل. والثاني: إيجاد حالة من التعايش مع أقوى الفصائل على الأرض ولا سيما القريبة على مستوى القوة والتفكير، وتطوير ذلك التعايش إلى غرفة عمليات مشتركة، وهذا ما تمت ترجمته في تقارب ملموس بين جبهة النصرة وأحرار الشام.

حقيقة العلاقة

لكن ما هي حقيقة وطبيعة العلاقة بين "جبهة النصرة" و"أحرار الشام" على مستوى الشكل والمضمون؟ وكيف ينظر كلا الطرفين للآخر؟ وهل هناك مؤهلات موضوعية فعلا للصدام المستقبلي؟!

هناك اتفاق ضمني بين الفصيلين على القيادة المدنية المشتركة للقطاعات التي يسيطران عليها في إدلب، ففي منطقة مثل أرمناز تتقاسم الحركتان الحواجز والمقرات بشكل سلس، بحيث لا تتداخل مناطق النفوذ، وينطبق ذات الحال على أكثر من منطقة في إدلب وريفها، إلا أن أداء كلا الطرفين يختلف من الناحيتين السلوكية والتنظيمية في مناطق نفوذهما، فالجبهة تركز خدماتها على من يدور في فلكها، في حين اجتذبت "أحرار الشام" القاعدة الشعبية من خلال توفير الخدمات، ولا سيما الخبز الذي تبيعه الجبهة بأضعاف سعره لدى "الأحرار".

وعلى الرغم من تقارب توجهات الفصيلين، إلا أن مناطق الأحرار أكثر انفتاحا واستيعابا لقيم المجتمع السوري، بل يمكن القول إن هناك حالة من الاندماج الفكري في مناطقهم على عكس مناطق النصرة التي تشهد فجوة واسعة مع الناس بسبب الغلو الديني والاهتمام بالشكليات، ولعل حوادث الإعدام والجلد التي تنفذها النصرة في ساحات السوريين أبعد الحركة كثيرا عن المجتمع ما جعلهم يستفيؤون بمظلة الأحرار كقوة سورية قادرة على حمايتهم وفهمهم.

لم تتمكن جبهة النصرة من تشكيل مؤسسات عسكرية مؤسساتية فعلية على الأرض، وحتى الآن لم تعتمد على التمويل الذاتي، ذلك أن تمويلها يأتي من مصدرين؛ الأول: الدعم الخارجي، والثاني: غنائم النظام من عمليات الاقتحام. أما الثاني فلم يعد ميزة منفردة بعد تشكيل جيش الفتح حيث المساواة باقتسام الأسلحة والغنائم عموما، بينما اتجهت الحركة إلى التصنيع الذاتي وتأسيس جيش نظامي وفق المعايير المتبعة وقسمت تشكيلاتها وفق ألوية وكتائب وأفواج تشرف على تدريبها عناصر سورية وعربية في بعض الأحيان، كما شرعت بصناعة مدافع وقذائف وصواريخ منذ بداية التأسيس، وانتقلت إلى مرحلة التخصص وأسست لواء دبابات ومشاة ومدفعية.

يعتقد كثيرون أن جبهة النصرة هي القوة الضاربة في الشمال السوري وخصوصا في إدلب، لكن هذا التصور يحتاج إلى تدقيق وإثبات، ففي معركة وادي الضيف الاستراتيجية نهاية العام 2014 انتهت الكتائب الأسلامية من السيطرة على الوادي ومعسكر الحامدية من خلال أول عمل عسكري منظم ومتماسك عن طريق 18 محورا، كان للأحرار منها 14 وللجبهة 4 فحسب، وخلال تشكيل جيش الفتح قبيل تحرير إدلب كانت حصة جبهة النصرة من المقاتلين في أرمناز 1000 مقاتل لم تتمكن من إكمال العدد، - علما أن لديها جيشا من 9000 لكنه منتشر في أكثر من منطقة- بينما حين طلب من الأحرار توفير 2000، مقاتل تم ملء الفراغ العددي على الفور بعد صراع بين الألوية على دخول هذه المعركة واستبعاد الكثير من المقاتلين من الأحرار.. هذان الموقفان يمكن الاستناد إليهم في معرفة حجم قوة الطرفين على الأرض.

إن ما يميز جبهة النصرة هو تركيزها في المكان، بحيث يتم استخدام الإعلام وكافة الوسائل بشكل مكثف لإظهار أعلى أنواع القوة الحاسمة والمدمرة، بينما يمكن توصيف قوة الأحرار بأنها القوة الواعية الأكثر انتشارا على الأرض.

التنافس بين جبهة النصرة وأحرار الشام يمكن وصفه بأنه "جمر تحت الرماد"، لا تبدو مظاهره على العلن، ولكن سلوك الطرفين وأداءهما يفضح أهدافهما المتباعدة - إلى حد ما- .

عمدت جبهة النصرة إلى توطيد علاقتها مع المجتمع السوري من خلال جذب شخصيات محلية إلى دفة القيادة، بحيث يحتل سوريون مناصب إدارية كـ"أمير القطاع"، أما القيادة الشرعية (المسؤولة عن تطبيق أحكام الشريعة) فيكون على رأسها "مهاجر"، وبالنظر إلى صلاحيات وسلطات المنصبين، يمكن استخلاص أن أمير القطاع ليس إلا الأداة التنفيذية للقيادة الشرعية التي تحكم وتفصل في كل القضايا. وبالرغم من قوة القائد الشرعي المهاجر في جبهة النصرة واتساع علمه الديني، إلا أنه بالكاد يلجأ أحد من السوريين إلى محاكم النصرة الشرعية.

لا يخلو الأمر من تعقيد في تقييم قوة كل من "جبهة النصرة" و"أحرار الشام"، ذلك أن ساحة الإسلاميين حتى الآن مفتوحة لكل الكتائب الأمر الذي قد يغير موازين القوى "الآنية" نتيجة دخول وخروج تلك الكتائب من بابين أساسيين هما النصرة والأحرار، ويدرك الطرفان الكبيران توازن القوى الحاليّ بينهما، لذا كان قرار تشكيل ما أسموه "مجلس شورى جيش الفتح" عاكسا لذلك التوازن ومانعا لسيطرة أيّ من الطرفين. فالقرار في غرفة العمليات لا تنفرد به أية جهة.. وبذلك فإن جيش الفتح بحد ذاته هو وسيلة لتجميد الصدامات بين كل الكتائب على الأرض، وفي حال انتهاء صلاحية تلك الوسيلة، فإن الجميع أمام خيارات المواجهة.. لكن على الأقل ليس بوجود المقاتلات الروسية في سماء سوريا.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.