المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

عبد الله العريان Headshot

بعد ثلاث سنوات من الانقلاب العسكري في مصر.. دروس لم يتعلمها المصريون حتى الآن

تم النشر: تم التحديث:

في حال سُمِح لها بالاستمرار، كان الخميس 30 يونيو سيمثل نهاية فترة محمد مرسي لرئاسة الجمهورية والتي تبلغ أربعة سنوات جاءت بعد فترات من الاستبداد في مصر. وبدلاً من ذلك، شهد الأسبوع الماضي الذكرى الثالثة للإبعاد القسري لمرسي عن طريق انقلاب عسكري أعاد فرض ديكتاتورية أبدية على 90 مليون مواطن مصري.

لا تزال تلك الكارثة الكبرى في مصر تتكشف يومياً مع انتهاكات حقوق الإنسان، وتضييق الخناق على المعارضة، وانتشار الفساد على نطاق واسع، بالإضافة إلى الأزمة الاقتصادية وتوطيد الحكم في يد حاكم مستبد جديدة، وهو عبد الفتاح السيسي.

وتقر جميع القوى السياسية المستقلة في مصر بأن الحالة المزرية التي تمر بها البلاد تمثل خيانة للحركة الثورية في مصر والتي بدأت عام 2011. في الوقت نفسه، لا يمكن القول بأن جذوة الثورة في مصر مازالت مشتعلة، حتى ولو بصورة خافتة، إذ لا يمكن إحياء تلك الثورة دون تقييم حقيقي لأحداث 30 يونيو/حزيران 2013 وعواقبها.

وباعتبارها أكثر الحركات الاجتماعية تنظيماً في مصر، كان يفترض أن تلعب جماعة الإخوان المسلمين دوراً أساسياً في عملية التحول الديموقراطي، إلا أن رغبتها في السيطرة على تلك العملية واستبعاد القوى الأخرى سبب انقسامات عميقة في صفوف الحراك الثوري في وقت كانت الحاجة إلى الوحدة عند أقصى درجاتها.

أساء مرسي فهم الخلاف داخل المجتمع، والذي يعد اختلافاً صحياً كجزء من الديموقراطية النشطة. في 2013، كانت مصر بعيدة عن النظام الديموقراطي الوظيفي، كما كان هناك رغبة من حزب واحد للاستفادة من مكاسبه الانتخابية لإملاء القواعد التي ستحكم مستقبل البلاد -بداية من إصدار قرارات أحادية وفرض دستور جديد-، وهو ما مثل نهجاً خطيراً في وقت كان يجب التعامل فيه ببراعة.

وعلى الرغم من الموقف الدفاعي الذي اتخذته القيادة العليا للجماعة، شهدت السنوات الثلاث الماضية ظهور فئة أكثر استقراءاً من نشطاء الاخوان المسلمين ممن قاموا بإعادة تقييم ما قامت به الجماعة خلال عهد مرسي، كما قدموا مقترحات لإصلاحات رئيسية تحتاجها الجماعة مثل فصل نشاطها الدعوي عن العمل السياسي، والانضمام إلى صفوف الثوار كشريك يقف على قدم المساواة معهم، والتنازل عن مطلب إعادة مرسي للرئاسة واستبداله بالمطالبة بحكومة وحدة وطنية يتوافق عليها جميع الأطراف.

ربما الأهم من ذلك أنه في الوقت الذي يعتقد فيه الحرس القديم المحافظ في الجماعة أن خطأ حكومة مرسي كان تحدي مؤسسات الدولة الأساسية بقوة، يعتقد الجناح الثوري داخل الإخوان المسلمين أن خطأ مرسي كان في التخلي عن مطالب الثورة.

وعلى الرغم من أوجه القصور لدى مرسي على مستوى الاستراتيجي والسياسي، فلا يوجد خلال فترته الوجيزة الحكم ما استدعى ذلك التدخل العسكري، ناهيك عن تجاوب ملايين المصريين مع ذلك التدخل بحماس، كما أن ذلك الغضب الزائف للقوى الليبرالية واليسارية تجاه قرارات مرسي أظهر بوضوح نفص الإدراك السياسي، ومدى التضارب الأخلاقي في أفعالهم.

كان تورط مرسي في حالة أزمة الطاقة على سبيل المثال مشكوكاً فيه في أحسن الأحوال، وفي أسوء الأحوال يمكن اعتبار الأزمة كخدعة لزعزعة استقرار أول نظام منخب ديموقراطياً في مصر. وعلى الرغم من أن قراراته بالاطاحة بالنائب العام الفاسد، واستعادته للصلاحيات التنفيذية في نوفمبر/تشرين الثاني 2012، تتماشى مع مطالب الثورة، إلا أن البعض قارن ووصف محمد مرسي في تلك الحالة بالفرعون (الديكتاتور).

إذا أمعنا النظر في القرارات التي هوجم مرسي بسببها بشدة من جانب الثوار سنجد أنها هي الخطوات الأكثر ثورية التي اتخذها مرسي خلال العام الذي قضاه في الحكم.

الثورة المضادة

في الواقع، تتصالح تلك القوى الثورية حالياً مع حقيقة أن "ثورتهم التصحيحية" المزعومة في 30 يونيو/حزيران كانت في الحقيقة هي الثورة المضادة التي أعادت الدولة الاستبدادية، وأن حركة تمرد، تلك الحركة الشعبية التي تمكنت من جمع 22 مليون توقيع تطالب بتنحي مرسي عن الحكم، كانت بالأسس مخترقة من جانب النظام الأمني في مصر.

قامت جبهة الانقاذ الوطني التي قادها عمرو موسي وحمدين صباحي بدورها أيضاً في تصعيد التوتر في الفترة التي سبقت مظاهرات الثلاثين من يونيو/حزيران، ليتخلوا عن القضية بعد ذلك لصالح تحالف من الجيش وداعميه الخليجيين. ونظراً لدوره في إضفاء الشرعية على الانقلاب العسكري، اختير محمد البرادعي كنائب لرئيس وزراء الحكومة التي مهدت الطريق لديكتاتورية السيسي.

حتى بعد أكبر مذبحة في التاريخ المصري الحديث، لم تكن هناك مراجعة للذات بين المثقفين والنشطاء في مصر. بعض الشخصيات البارزة والشهيرة من الروائي علاء الأسواني أثنوا على قتل أكثر من 800 من المتظاهرين المؤيدين لمرسي في ميدان رابعة العدوية، في حين أن آخرين مثل البرادعي انتقدوا التكتيكات التي استخدمها الجيش باعتبارها قوة مفرطة، إلا أنهم لم يلعبوا دورهم أو يتحملوا مسئوليتهم عما قاموا به كواجهة مدنية للجيش. ودون دعم شعبي من داخل الصفوف الثورية والليبرالية التي قدمت الغطاء لأفعال السيسي الوحشية، لم يكن من الممكن للجيش اتخاذ مثل تلك التدابير بتلك السهولة.

وعلى الرغم من أن هؤلاء الذين أيدوا تلك الأفعال في البداية تفاجئوا من تحول بنادق السيسي تجاههم، إلا أن أي دارس للتاريخ يعلم أن الانقلابات العسكرية العنيفة نادراً ما تبالي بداعميها من المدنيين. وبعد مرور ثلاث سنوات من أحداث ذلك اليوم الصيفي المشئوم، تعج السجون المصرية حالياً بسجناء من مختلف ألوان الطيف الفكري والسياسي.

ما ينبغي أن يكون واضحاً لأغلب المصريين اليومي هو أن استمرار مرسي في فترته الرئاسية لم يكن فقط ليفيده وجماعته، بل كان الأمر يتجاوز ذلك. ربما ما تبقى من فترته كان ليكون مليئاً بقرارات سياسية خاطئة، وعلى الأرجح استمرار المواجهات مع مؤسسات الدولة التي تدين بالولاء للنظام القديم، بالإضافة إلى صراعات مع عناصر من المعسكر الثوري، إلا أنه بغض النظر عما كان سيفعله، فمن الصعب الاعتقاد بأنه كان سيتجاوز الأهوال التي مرت بها مصر مع السيسي.

وكما أدرك الشعب التونسي تلك الحقيقة، كان يجب تحمل فترة التحول التي جاءت بعد حكم استبدادي، بصرف النظر عما تحمله من ضعف سياسي، تذبذب اقتصادي، والتضحية بمطالب رئيسية، وإدراك أن تلك الأمور هي شرط أساسي لتكوين مؤسسات ديموقراطية والتأسيس لسيادة القانون على المدى البعيد.

لا يوجد ما يضمن أيضاً، مع غياب دعم قطاعات كبيرة من الشعب المصري، أن مرسي كان سيستمر في الحكم ولن يتم الإطاحة به من قبل بقايا النظام القديم وداعميهم من الخارج. ومع ذلك، فإن تواطؤ قطاعات واسعة من المعسكر الثوري مع الثورة المضادة جعلت دمار العملية الديموقراطية التي تلت حكم مبارك أمراً مؤكداً، دون أي امكانية لاستردادها.

التخلي عن تلك العملية، مهما كانت عيوبها، كان يعني التخلي عن آفاق الديموقراطية في مصر على مدى المستقبل القريب. وعلى الرغم من أن معارضة حكم السيسي تواصل تصاعدها، يظل بناء مسقبل أفضل أمراً بعيد المنال حتى يتعلم المصريون من دروس الماضي القريب.

هذه التدوينة مترجمة عن موقع Middle East Eye البريطاني. للاطلاع على المادة الأصلية، اضغط هنا.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.