المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

عبد الله العريان Headshot

الإخوان المسلمون وقائمة ترامب للإرهاب

تم النشر: تم التحديث:

خلال خطاب تنصيبه القصير، لكن المُتَّقِد، حدَّد دونالد ترامب هدفاً واحداً بعينه لسياسة إدارته المُقبِلة الخارجية: المعركة ضد "الإرهاب الإسلامي المُتطرِّف"، والذي تعهَّد بـ"استئصاله من على وجه الأرض".

وللتأكيد، منذ أطلق جورج بوش الابن الحرب على الإرهاب في أعقاب هجمات الحادي عشر من سبتمبر/أيلول 2001، تشكَّلت السياسة الخارجية للولايات المتحدة إلى حدٍّ كبير من خلال التصميم على مواجهة عنف المتشدِّدين في أنحاء الشرق الأوسط وخارجه.

وخلال عامه الأخير في الحكم، أمر أوباما بإسقاط أكثر من 26 ألف قذيفة، الغالبية العُظمى منها على بلدانٍ ذات غالبية مسلمة.

ومع ذلك، ما يُميِّز فريق ترامب الذي نُصِّب حديثاً عن الإدارات السابقة هو تمكينه لبعض الرموز المُتطرِّفة التي ترغب في توسيع العنصر الأيديولوجي لهذا الصراع من خلال الخلط بين الجماعات المتشدِّدة، مثل تنظيم القاعدة وتنظيم الدولة الإسلامية "داعش"، التي هي ظاهرياً أهداف حملة مكافحة الإرهاب الأميركية، وبين الحركات الإسلامية الرئيسية التي حاولت التأثير على حكوماتها من خلال الوسائل غير العنيفة، مثل جماعة الإخوان المسلمين وفروعها الإقليمية.

كانت محاولات تصنيف الإخوان المسلمين كتنظيمٍ إرهابي تقتصر سابقاً إلى حدٍ بعيد على الأصوات الأكثر وضوحاً في معاداة المسلمين في واشنطن. في حين كان الجزء الأكبر من دائرة صنع السياسات يعي التداعيات السياسية والقانونية التي تصاحب تصنيفاً كهذا، وكذلك القيود التي سيمثِّلها على الدبلوماسية الأميركية في العالم العربي.

واستناداً إلى بعض المؤشِّرات المُبكِّرة، تبدو إدارة ترامب غير مُكترِثة تماماً بمثل تلك الأسئلة. وفي الواقع، يُمثِّل تصنيف الإخوان كجماعةٍ إرهابية حجر زاوية في عزم إدارة ترامب على انتهاج سياسة الأرض المحروقة تجاه الحركات المُعارِضة في الشرق الأوسط.

من هم الإخوان المسلمون

تُعَد إحدى المشكلات الرئيسية التي تعترض الجهود لإضافة الإخوان المسلمين إلى قائمة وزارة الخارجية الأميركية للتنظيمات الإرهابية هي أنَّه، وبعد ما يُقارب 90 عاماً من تأسيس الجماعة في مصر، لا يزال من غير الواضح من أو ما المقصود بـ"الإخوان المسلمين".

معظم الدعوات لتصنيف الإخوان المسلمين كتنظيمٍ إرهابي تبدو غامضةً وغير مُحدَّدة في تعريفاتها، وذلك في الغالب يكون عن عمد، إذ يُتيح ذلك الغموض للمسؤولين المرونة لاتِّخاذ خطواتٍ ضد أي تنظيمٍ، أو كيان، أو أفراد ينطبق عليهم ذلك التعريف العام.

ومن شأن تعريفٍ فضفاضٍ كهذا أن يسمح بتضمين حزب العدالة والتنمية الذي فاز بالانتخابات البرلمانية في المغرب، أو رابطة الطلاب المسلمين التي لديها فروعٌ في مئاتٍ من كليات وجامعات الولايات المتحدة.

وللتقييم بصورةٍ أكثر دقة، علينا أن نميِّز بين الإخوان المسلمين كتنظيم، يضم لوائح، وبنية هرمية جامدة، وشروط عضوية صارمة، وبين الإخوان المسلمين كحركةٍ في المجتمع، تطوَّرت وتغيَّرت أفكارها على مر الزمن.

سَعَت جماعة الإخوان المسلمين، التي تأسَّست عام 1928 على يد مُدرِّسٍ في مدينة الإسماعيلية الساحلية في مصر، إلى تشكيل النظام السياسي الناشئ في أعقاب استقلال مصر الصوري عن بريطانيا.

وأقام حسن البنا حركته على المبدأ الأساسي الذي يرى أنَّه لا ينبغي التضحية بالقيم الإسلامية خلال عملية تحديث الدولة. ودعا إخوانه المصريين أن يعيشوا حياةً أكثر استقامة، لكنَّه كان يؤمن بأنَّ الأمر متروكٌ للحاكم لفرض الشريعة الإسلامية.

وجَّه البنا انتقاداته إلى المؤسَّسات الثلاث التي تولَّت حكم البلاد خلال مرحلة ما يُسمَّى بـ"التجربة الليبرالية"؛ وهي البرلمان الذي كان يقوده حزب الوفد، والمؤسَّسة المَلَكية، وسلطات الاستعمار البريطاني.

وخوفاً من انهيار المؤسَّسات الدينية التقليدية، والنظام التعليمي، وضع البنا نهجاً متيناً للتعليم الإسلامي، ونظَّم أتباعه في مجموعاتٍ دراسية شكَّلت الأساس لعضوية الجماعة. وانتخب الأعضاء قياداتٍ محلِّية شكَّلت هيئةً تتألَّف من أولئك المُمثِّلين. وضعت هذه الهيئة أجندة عمل الجماعة، ونفَّذت توجيهات الأمانة العامة لها، وكان يرأسها حسن البنا، الذي أصبح أول مرشد عام للجماعة.

شهدت الثلاثينيات الأزمة الاقتصادية العالمية، واضطراباتٍ اجتماعية وسياسية، الأمر الذي دفع إلى صعود أيديولوجياتٍ متنافِسة، من الشيوعية والفاشية إلى الليبرالية، وفي حالة العالم الإسلامي، ظهر الإسلام السياسي.

وكان البنا يعتقد أنَّ الإرث الغني للحضارة الإسلامية يحمل في داخله المبادئ الأساسية للتغلُّب على التحدّيات الحديثة للحكم الاستعماري، والاستغلال الاقتصادي، والانقسامات الوطنية، والضعف السياسي.

وضع البنّا نموذجاً تنظيمياً هَدَف إلى توجيه المصريين إلى الالتزام بمبادئ دينهم. وتصوَّر الإخوان المسلمين جماعةً شامِلةً للجميع، وعرَّفها بكونها "دعوةً سلفية، وحقيقةً صوفية، وهيئةً سياسية، وجماعةً رياضية، ورابطةً علمية وثقافية، وشركةً اقتصادية، وفكرةً اجتماعية".

وبحلول أواخر الأربعينيات، ضمَّت جماعة الإخوان المسلمين أكثر من مليون عضو في مصر، بينما كانت تؤسِّس فروعاً محلية في عدَّة بلدان مجاورة. لكن في أعقاب الحرب العالمية الثانية، دخلت الحياة السياسية المصرية في معركةٍ فوضوية بين القوى المُتنافِسة التي هدفت إلى استبدال الحكم البريطاني برؤاها الخاصة للمستقبل.

ومثل الليبراليين، والشيوعيين، والفاشيين، دخل الإخوان المسلمون المعركة من خلال المنافسة السياسية، والتوعية الاجتماعية، والحروب الدعائية، وحتَّى من خلال معارك العنف في الشوارع، والاغتيالات.

وشكَّل قدامى المحاربين في الوحدات المُتطوِّعة التي شاركت في حرب 1948 في فلسطين أساس أعضاء "الجهاز السري" للإخوان المسلمين، وكانوا هم الذين حضَّروا للمواجهة العسكرية المُحتَمَلة مع الأحزاب الأخرى.

واغتالت قوات الأمن المصرية حسن البنا عام 1949، وكان ذلك عقب اغتيال سياسي وفدي بارز، وهو رئيس الوزراء آنذاك محمود فهمي النُقراشي، واتُّهِم التنظيم السري للإخوان المسلمين باغتياله.

وعندما أطاحت مجموعةٌ من ضُبَّاط الجيش القوميين بالملك، واستولت على الحكم في 1952، كان ذلك بمثابة تحرُّكٍ ضد الفصائل السياسية المختلفة بقدر ما كان تحرُّكاً ضد فساد المَلَكية واستغلالية الحكم الأجنبي.

وتوقَّفت كل أشكال النشاط السياسي المستقل بعد صعود النظام العسكري لـ"الضبَّاط الأحرار". وعلى الرغم من أنَّ الإخوان المسلمين رحَّبوا بادئ الأمر بالتدخُّل العسكري، بل وحتَّى حاولوا الدخول في شراكةٍ مع نظام جمال عبد الناصر، إلّا أنَّهم سرعان ما وجدوا أنفسهم في موقع العدو الرئيسي للدولة.

من جماعة إخوان مسلمين واحدة إلى عدة جماعات مختلفة

في هذه المرحلة، وبعد حقبة القمع فى الخمسينيات والستينيات، أصبح من المستطاع التفريق بين تنظيم الإخوان المسلمين والحركة السياسية الأوسع التي تأثرت بفكره.

كانت نتيجة حملة القمع التي شنها عبد الناصر ضد الإخوان المسلمين هي تدمير الهيكل التنظيمي للإخوان المسلمين. وتعرَّض قادة التنظيم إما للقتل، أو السجن، أو النفي، بينما حاول أعضاء التنظيم الأقل شأناً الاختلاط في المجتمع، نافين أي علاقةٍ تربطهم بالتنظيم.

ورغم فرض حظرٍ على التنظيم، إلا أن أفكاره استمرت. وبعد فشل المشروع الناصري، خاصةً عقب هزيمة مصر على يد إسرائيل فى حرب 1967، تبنى الكثير من المصريين المخذولين دعوة الإخوان المسلمين لدولةٍ قائمة على القيم الإسلامية.

ولكن مهمة حسن البنا الأساسية، التي ظهرت في عصرٍ مختلف تماماً من تاريخ مصر الحديث، بدت غير ملائمة في ظل الحكم العسكري والقومية العربية المتأصلة.

وفي ظل غياب قائد محدد لتنظيم، ظهرت عدة تيارات فكرية داخله، وكان أبرزها بقيادة سيد قطب، واستطاع الناقد الأدبي الليبرالي أن يغير أيديولوجية الإخوان المسلمين.

كان اتباع نهجٍ جذري جديد لتحقيق أهداف الإخوان المسلمين وليد غرف التعذيب فى عهد عبد الناصر. وفي كتابته، أعرض قطب عن وسيلة الإصلاح التدريجي التي كان البنا يؤيدها لصالح سياسةٍ تعتمد أكثر على المواجهة مع نظامٍ كان في نظره غير شرعي.

وفى سياقٍ لاهوتي، أعلن قطب أن ديكتاتورية ناصر المدنية استرجعت عصر الجاهلية الذي سبق الإسلام، مطالباً بتكتيكٍ يختلف تماماً عما كان يتبعه البنا من المشاركة السياسية ووعظ العامة.

ولاقت تعاليم قطب أصداءً لدى مجموعةٍ صغيرة من الناشطين الشباب، الذين كانوا أصغر من أن يكونوا أعضاء سابقين في التنظيم، ولم يشهدوا تاريخه البارز.

وعندما تُرجمت كتابات قطب على أنها تحريضٌ على المواجهة العسكرية ضد النظام، كان رد حسن الهضيبي، قائد الإخوان المسلمين المعتقل، هو التخلي عن الدعوة للعنف، والتأكيد على رسالة حسن البنا الإصلاحية.

ونتيجةً لما سببه قطب من مشكلات، أُعدم من قِبل عبد الناصر عام 1966.

وعندما خلف الرئيس المصري أنور السادات سابقه عبد الناصر في الحكم، سعى السادات لتقنين حكمه جزئياً بتحرير اقتصاد مصر، وإطلاق سراح المسجونين السياسيين ليعودوا إلى المجتمع المصري مرةً أخرى. وكتبتُ الكثير عن إعادة بناء تنظيم الإخوان المسلمين في السبعينيات، وهي فترةٌ تميزت بثلاث خصائص مهمة.

أولاً، ظلت محاولات الإخوان المسلمين لإعادة بناء التنظيم فى عهد السادات تحدث بصورةٍ كبيرة في السر، وذلك لأنَّ الجماعة كانت لا تزال محظورةً.

حتى أثناء تجنيد التنظيم لعشرات الآلاف من الناشطين الشباب الطلاب للانضمام لصفوفه، كان كبار القادة المتبقين في التنظيم يؤمنون بأهمية السرية لتجنُّب أية مواجهة مع الدولة، للدرجة التي جعلتهم يطلبون من أعضاء الإخوان المسلمين الجدد مبايعة المرشد بدون معرفة هويته.

ثانياً، أصبح من الواضح فى هذه الفترة أن تنظيم الإخوان المسلمين لم يعد يحتكر الأيديولوجية الخاصة به.

إذ اكتظت سوق الأفكار بالتيارات الدينية التي استعارت بعض الجوانب من مدرسة فكر الإخوان المسلمين الأصلية ومزجتها بتياراتٍ فكرية أخرى، أو أعادت تشكيلها لتتناسب مع الاحتياجات الحاضرة وقتها.

هذه التيارات تضمنت الحركة السلفية، التي كان يتولى قيادتها جزئياً شخصياتٌ كانت جزءاً من تنظيم الإخوان المسلمين، وعادت مؤخراً من المنفى فى الخليج. كما ضمت جماعاتٍ جهادية سرية رفضت التزام الإخوان المسلمين بالتغيير السلمي.

وقبل أن يصبح نائب أسامة بن لادن في القاعدة بسنوات، كتب أيمن الظواهري نقداً لاذعاً للإخوان المسلمين.

ثالث خصائص هذه الحقبة كان انقسام تنظيم الإخوان المسلمين في المناطق المختلفة داخل مصر. فنتيجةً لحقبة ناصر القمعية، شقت الجماعات التابعة للإخوان المسلمين طريقها الخاص. وعندما أعاد التنظيم تشكيل صفوفه فى مصر مرةً أخرى في أواخر السبعينيات، لم يرغب كثيرٌ من هذه التنظيمات الانضمام مرةً أخرى لصفوف الحركة الأم.

أما بالنسبة لتنظيمات الإخوان المسلمين فى السودان، وسوريا، وفلسطين، والأردن، وغيرها، فقد أصبحت منغمسةً أكثر في سياقها القومي في بلادها، ولم يصل أعضاءَها إلا قليلٌ من التوجيه والدعم من رفقائهم المصريين. بينما تخلت بعض التنظيمات المحلية عن اسم الإخوان المسلمين، مثل تنظيم جبهة الميثاق الإسلامي (سُمِّيت لاحقاً بالجبهة الإسلامية القومية) بقيادة حسن الترابي فى السودان.

وأبقت تنظيماتٌ أخرى على صلةٍ ضعيفة بالإخوان المسلمين، ولكنها اعتمدت على نموذج التنظيم ومدرسته الفكرية في تلقين أعضائها، كما هو الحال مع حركة الاتجاه الإسلامي، التي تحولت لحزب النهضة في تونس.

وحافظ بعض العرب الذين هاجروا إلى أوروبا وشمال أميركا على صلاتهم الفكرية بالإخوان المسلمين، وأنشأوا مؤسساتٍ تواكب احتياجات مجتمعهم المتكاثر في وطنهم الجديد، من مساجد، واتحادات طلابية، ومؤسسات مدنية خيرية.

ومع مرور الوقت، تلاشت أي روابط هيكلية بين هؤلاء وبين التنظيم، وذلك بسبب ذوبانهم في مجتمعاتهم الأوسع التي يعيشون بها.

وباءت محاولات تشكيل تنظيمٍ دولي للإخوان المسلمين بفشلٍ كبير. ولم تتعد هذه المحاولات إقامة ملتقى عرضي من فترة لأخرى لتبادل الآراء والخبرات.

إصلاحيون وليسوا ثوريين

في الحقيقة، ومنذ ثمانينيات القرن العشرين فصاعداً، انتهجت التنظيمات المتعددة للإخوان المسلمين في أنحاء العالم العربي مساراتٍ مختلفة، بغض النظر عن مسارات بعضها البعض.

دخلت جماعة الإخوان المسلمين السورية في صدامٍ عنيفٍ مع نظام الأسد عام 1982، وهو ما أسفر عن إخماد الحركة إخماداً وحشياً واستئصالها. ومن المفارقات الغريبة أنّ بعض القياديين بجماعة الإخوان المسلمين السورية وجدوا ملاذاً آمناً في العراق، الذي كان يخضع لحكم الرئيس صدام حسين حينئذٍ، مع أنّ هذا الدكتاتور العراقي نفسه كان يهدف إلى القضاء على جماعة الإخوان المسلمين العراقية.

وفي أعقاب الانتفاضة الأولى عام 1987، خضعت جماعة الإخوان المسلمين الفلسطينية إلى إعادة تنظيمٍ جذرية على المستوى الداخلي، واتخذت المقاومة المسلحة وسيلةً لإنهاء الاحتلال، واتخذت لنفسها اسماً جديداً: حركة المقاومة الإسلامية (حماس).

وفي الكويت، رحبت جماعة الإخوان المسلمين بالتحالف المُكوّن تحت قيادة الولايات المتحدة للتخلَّص من الاحتلال العراقي للكويت عام 1991، مع أنّ جماعات الإخوان المسلمين في البلدان الأخرى أدانت التدخُّل الأميركي في المنطقة.

وفي السودان، تحالفت حركة حسن الترابي مع الانقلاب العسكري الذي حدث عام 1989 بقيادة عمر البشير، وتمتعت بشراكةٍ ممتدة، وإن كانت مضطربة، مع النظام العسكري.

وفي الأردن والمغرب، سعى قادة الحركة إلى التأقلم مع الحكومات الملكية في كلا البلدين، وتحديداً بانتهاج أجندةٍ محدودة تهدف إلى إصلاح النظام السياسي الحاكم، وليس استبداله كليّاً.

وفي أثناء ذلك، ركز القادة الأصغر سناً لجماعة الإخوان المسلمين في مصر على إعادة الاندماج مع المجتمع الأوسع حولهم، إذ أسسوا شبكة واسعة من المؤسسات الخيرية والتعليمية، وتولّوا المناصب القيادية بالنقابات المهنية، وأعَدُّوا الأعضاء لخوض الانتخابات على المقاعد البرلمانية، وذلك كله من خلال المنفذ السياسي الضيق الذي أُتيح لهم أثناء رئاسة حسني مبارك.

واستمر أعضاء التنظيم القدامى المتزمتون في التأكيد على ضبط النفس والوحدة التنظيمية داخل الجماعة في مواجهة الموجات المتجددة من القمع الذي تفرضه الدولة.

وفي الأعوام السابقة لثورة 2011 التي أسقطت مبارك، تمتع الإخوان المسلمون بفترةٍ من التعايش السلمي نوعاً ما مع الدولة، وبلغ هذا التعايش ذروته بالمشاركة الناجحة للإخوان في الانتخابات البرلمانية عام 2005، من المحتمل أنها كانت صفقةً مقابل رضوخهم لخطة النظام بتوريث الرئاسة من مبارك إلى ابنه، جمال.

رُغم هذه الأولويات المتباعدة والمناهج المختلفة، هناك شئٌ واحد يجمع كافة جماعات الإخوان المسلمين، سواءً قبل الربيع العربي، أو أثناءه، أو بعده.

وهو أنَّ جماعة الإخوان ليست حركة ثورية، ولا تُبدي أي نزعاتٍ نحو السعي إلى التغيير الجذري.

وعلى النقيض التام من الجماعات المُسلَّحة التي تعمل حالياً في العراق، وسوريا، وعدة أماكن أخرى، رسَّخت جماعة الإخوان المسلمين على مدار الخمسين عاماً الماضية إيمانها الداخلي بالعمل في وجود الأنظمة السياسية، والاجتماعية، والاقتصادية القائمة، وإن ألحق ذلك أحياناً الضرر بها.

ونتج عن الالتزام بهذا المنهج فشلُ الأحزاب التابعة للإخوان المسلمين في تحقيق طموحات الثورات العربية، بل وأسفر عن ما هو أسوأ من ذلك، وهو تهميش هذه الأحزاب على أيدي نظامٍ استثمروا فيه كماً هائلاً من طاقاتهم الفكرية والتنظيمية.

ويُمثِّل القرار الذي اتخذه حزب النهضة التونسي بفصل الحزب السياسي عن أنشطة الدعوة الدينية، وتقديم الخدمات الاجتماعية، مدى وعيه بصعوبات الحفاظ على النقاء الأيدولوجي وسط دَنَس النزاعات السياسية.

وتخضع الأحزاب الأخرى لجماعة الإخوان المسلمين لضغطٍ يفرض عليها اتخاذ المسار نفسه للنجاة في ظل الخطر الوجودي الذي يسعى إلى استئصالها، ليس بصفتها مُمثِّلاً سياسياً فحسب، بل التخلص من تيارها الفكري الموجود في مجتمعاتها.

حظر الإخوان المسلمين

إذاً، كيف يؤثر كل ما سبق ذِكره على خطط إدارة ترامب لإدراج الإخوان المسلمين في قائمة المُنظمَّات الإرهابية؟

كما أثبتت المحاولات السابقة لطغاة المنطقة لحظر جماعة الإخوان المسلمين، يُغلق غياب هذه الجماعة عن المجتمع منفذاً أساسياً أمام الأنشطة ذات المرجعية الدينية، والتعبير عن وجودها من خلال المؤسسات السياسية، والاجتماعية الحالية.

وبعد الانقلاب العسكري الذي وقع عام 2013 في مصر، ومجيء عبد الفتاح السيسي إلى السُلطة، أظهر القمع الهائل الذي فُرِض على الجماعة، وما تَبِع ذلك من ظهور المعارضة المُسلَّحة، أنَّ الإخوان المسلمين لعبوا دوراً معتدلاً على مستوى النشاط الإسلامي.

ولن تُسفر المحاولات الساعية لزيادة تهميش الإخوان المسلمين عن ظهور التيارات المُسلَّحة تحت لواء الحركة الإسلامية الواسعة فحسب، بل ستؤدي أيضاً إلى تقليل فرصة وجود ممثل لهذه الحركات المختلفة.

وستصُب المناقشات المبتذلة عن مدى توافق الإسلام مع الديمقراطية في صالِح أولئك الأشخاص الواقفين على الهامش، الذين يزعمون أنَّ العالَم العربي لا يستحق هذا ولا ذاك، والذين يُفضِّلون "الاستقرار" الوهمي الذي لن يتحقق سوى على أيدي الحُكام العلمانيين المستبدين.

وحتى إذا نظرنا إلى قرار الحظر من المنظور الضيق لمصالح الولايات المتحدة، سنجد أنَّه يقوّض المبادرات الدبلوماسية الأميركية في المنطقة، والتي تضم أحزاباً سياسية ذات جذورٍ تصل إلى الإخوان المسلمين، وتشارك مشاركةً منتظمةً في الحكومات من المغرب وحتى اليمن.

وسيُسفر هذا القرار عن حظر حليفٍ أساسي للولايات المتحدة في احتلالها للعراق، وهو الحزب العراقي الإسلامي، الذي ساعد في استقرار حكومةٍ مؤقتة ومحاطة بالمُعارضة العنيفة من جميع الجوانب.

وبصورةٍ مشابهةٍ، يعتمد حليفان آخران للولايات المتحدة في الحكومتين الكويتية والبحرينية على دعم أحزاب الإخوان المسلمين لمواجهة المعارضة الشيعية في بلادهم.

ومن المحتمل أن يؤدي قرار تصنيف الجماعة ككيانٍ إرهابي أيضاً إلى إلغاء إمكانية الحصول على المعلومات الضرورية، بسبب منع التعاون بين مُمثلي الدول الغربية من مُثقَّفين، وصحفيين، ومراقبين دوليين، وعاملين بمجال حقوق الإنسان، وبين منظمات المجتمع المدني الموجودة في أنحاء العالَم العربي.

وستَحُد سياسة التعميم التي ينتهجها ترامب في مواجهة الإسلام السياسي من الجهود التي يبذلها الباحثون والزعماء السياسيون على حد سواء لتعميق فهمهم للدور الذي تلعبه هذه الحركات في تشكيل مجتمعاتها.

وفي الحقيقة، سيصبح تَكوُّن ثقبٍ أسود افتراضي تختفي داخله المعلومات نتيجةً متوقعة لهذه المبادرة السياسية التي تعكس فشلاً كبيراً في فَهم التعقيدات التاريخية لظهور جماعة الإخوان المسلمين وتطوُّرِها.

- هذا الموضوع مترجم عن موقع شبكة Al Jazeera القطرية. للاطلاع على المادة الأصلية، اضغط هنا.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.