المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

عبدالله الموسى Headshot

في حلب مجزرة لم تتوقف منذ سنوات

تم النشر: تم التحديث:

منذ سنوات وحلب تُباد، الأمر ليس بجديد علينا، ولا شيء تغير على الأهالي، اللهم إلا اختلاف صوت محرك الطائرة التي تقصف، واختلاف شكل فوارغ المقذوفات.
كانت تُباد لكن بدون زخم إعلامي لصور الخبز المغطس بالدم، وإخراج الأطفال من تحت الأنقاض، وبدون تغيير صور البروفايلات على فيسبوك إلى اللون الأحمر تعبيرًا عن التضامن أو في محاولة لقمع شعور الذنب أو عدم تغييرها؛ لأن ذلك لن يغير شيئًا على الأرض. الإبادة نفسها لم تتغير.. كنت هناك وتلك الصور والمشاهد والأصوات لن تغادر مخيلتي ما حييت.

ومع ذلك، كنا نحاول بما هو متاح من إمكانات تحصيل ما أمكننا من حياة، ليس من أجلنا، بل من أجل التخفيف عن أطفالنا أهوال أيام منعتهم من طفولتهم حتى بحدودها الدنيا، والأمر ذاته ينطبق على العجائز، بشكل أو بآخر لم تتوقف أشكال الحياة ولا يوماً في المدينة حتى في أشد أيامها قسوة.

ليس نوعًا من الاعتياد على المجازر اليومية وليس انفصالًا عن الواقع، بل هو العكس تماماً، بل هو نوعٌ من المقاومة بالدرجة الأولى. لقد كان صراخ أصحاب "بسطات الخضار" وخفة دمهم على البندورة والبقدونس والبانجان يبعث على الحياة بشكل أزعج آل الأسد أكثر من هتافات المتظاهرين ورصاصات المقاتلين. لقد كان مشهد الأهالي في سوق بستان القصر والشعار في وقفة العيد وتسوقهم لمستلزمات العيد مؤلمًا لبشار الأسد ربما أكثر من ضربات الجيش الحر نفسه، والأمر نفسه ينطبق على حفلات زفاف النشطاء في المناطق المحررة.

عندما كنا تحت القصف كان صوت فتح أول "درّابية" دكان وصرخة أول بائع خضار، هو إشارة أن الاشتباك أو القصف قد توقف الآن، "يلا يا عبدالله انزل جيب الغراض قبل ما ترجع تشعل".. هكذا تقول أمي!

كتب أحد الأصدقاء متهكماً قبل فترة، أن حالات شبكات التواصل لدى الحلبيين في الخارج في الغالب ما تكون عن الوطن الجريح والألم.. وما إلى ذلك. فيما حالات الحلبيين في داخل المدينة في غالبها تكون عن الحب والحياة والأمل.

لم أعرف من قبل أن جريحًا قد اِستجدى عطفًا أو تسول على جرحه، بل أعرف جريحًا كان يكابر على جرحه دائمًا ليثبت للعالم قوته وكبرياءه، على الرغم من حجم الجراح الكبيرة والنزيف الذي لم يتوقف، وهذا ما يحرص الحلبيون على فعله يوميًا منذ 5 سنوات.

ما هو الهدف من قصف تجمع لبسطات الخضار التي يقتات منها هؤلاء الفقراء؟! لماذا تستهدف القحباء الروسية المشافي وتقتل آخر أطباء الأطفال في المدينة؟!

لا أجد أي إجابة سوى نية روسيا وذيلها في دمشق قتل ما تبقى من أشكال الحياة في حلب الصامدة منذ سنوات رغم القصف الشديد والحصار، ويبدو أن أحدًا لن ينال مراده من الحلبية! بعد شهور من القصف والتدخل الدولي لدعم الأسد بحجة محاربة داعش، لم يتمكن الإرهابي بشار الأسد من التقدم مترًا واحدًا في المدينة الخارجة عن سيطرته بنسبة تتجاوز 60%، ولا يبدو أنه سيفعل، لدرجة أنه استسلم لواقعه هذا وأصبح كل ما يريده هو تدمير ما أمكنه من تاريخ هذه المدينة.

وكأحد أبناء هذه المدينة المتطبعين بطباعها.. أضرب عن نفسي مثالًا في صلابة
و"عناد" الحلبية، أن أكثر ما كان يزعجني عند حدوث القصف أكثر من القصف نفسه، هو أنني لن أتمكن من الوصول إلى محلي لأتابع تصليح أجهزة الكمبيوتر للزبائن.
لقد وعدتهم بتسليمهم أجهزتهم اليوم.. تأخرت أشغال الناس.. الله يقصف عمرك يا بشار

كان بيت ياسر شريكي مقابل المحل مباشرة، وكان بإمكانه النزول بسهولة وتشغيل المولدة ومتابعة إصلاح تلفزيونات الأهالي في محلنا الصغير الذي كنت أقنع أمي دائمًا بأنه أكثر أمانًا من بيتنا نفسه؛ لأنه في شارع فرعي كي لا تقلق عليَّ عند خروجي للعمل في الأوقات المشحونة، وعدا عن العمل كنت أحتاج إلى التواجد في المحل؛ لأنه نقطة وصولي الوحيدة إلى إنترنت.

كنت أنتظر انتهاء صفير القذائف حتى أستطيع النزول من البيت، والوصول إلى محلنا. كنت أحتاج في بعض الأحيان إلى المشي أمام ساتر ترابي بارتفاع 5 أمتار كي أتفادى ضربات قناص النظام، وبعد العديد من محاولات الاغتيال كنت أصل لأجد ياسر قد سبقني وأتم غالبية الشغل وعندما كنت أسأله: متى فتحت المحل؟ كان يخبرني بأنه هنا منذ ساعات وقد نجح في الوصول إلى الجامع قبل قليل وإقامة الصلاة والعودة إلى المحل بدون خسائر! كان ذلك إنجازًا حقيقيًا لنا على المستوى الشخصي وكان دائمًا يخبرني أن الأمان بالله ياعبدالله.

بالمناسبة.. المحل ما زال صامدًا إلى اليوم. لكن ياسر وهو أب لولدين أكبرهما عمره 4 سنوات مخطوف اليوم لدى حزب PYD لأسباب عنصرية.
هكذا هي حلب وهؤلاء هم أهلها منذ الأزل ما استسلموا لمحاولات سلبهم حق الحياة، ويستمرون يوميًا في تعرية أكاذيب العالم المنافق، الذي لن يحرك ساكنًا إلا لخدمة المجرم وأحداث الأيام الأخيرة، التي يمكن وصفها بالمحرقة، تثبت لمن لم يرد أن يفهم من قبل أن لا حوار مع أمثال هؤلاء.
بعد أيام من اليوم سيمل أصدقاؤنا من النشطاء الفيسبوكيين، وحتى وسائل الإعلام ستمل من تكرار ذات الخبر يوميًا، ونشر صور متشابهة لأشخاص وأطلال، وظهور وجوه المعارضة السورية للتسول والصراخ: أين المجتمع الدولي. وسيصبح المشهد في حلب خبرًا ثالثيًا أو ثانويًا في أحسن الأحوال، لأنه لم يعد هناك داعٍ لتكرار خبر أصبح روتينيًا ولم يعد يؤثر في الناس أو ربما سيسرق خبر آخر مكان المجازر التي لم تتوقف؛ ليتم المرور على عدد شهداء اليوم مرور الكرام قبل الانتقال إلى أخبار الرياضة.

أما بالنسبة لمن بقي من أهالي حلب، فإنهم سيستمرون في الحياة قبل كل مجزرة ورفع جثث أبنائهم من تحت الأنقاض لينفضوا الغبار عن أنفسهم ويعودوا لإفشال جهود المجرم بقتل الحياة فيهم.
ستنتهي ذخيرة روسيا وستطالب بهدنة جديدة تلتقط فيها أنفاسها، ولن تحقق أية مكاسب على الأرض، وستعود بسطات السحلب والفول النابت وأفران الخبز لتصدح في صباحات المناطق المحررة، وسيعود سوق الخضار لينشط مجددًا وتعبق رائحة الخضار والفواكه والزعتر وصابون الغار الحلبي. الشيء الوحيد الذي سيبقى هو العار والخزي الذي سيلاحق كل من كان بإمكانه توفير دمعة أم ولكنه لم يحرك ساكنًا، والله حق وعادل.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.