المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

عبدالله عبدالقادر Headshot

الناس بين السلم واللاسلم

تم النشر: تم التحديث:

لطالما كنت أسأل نفسي لماذا لا يعيش الناس بسلام؟ ما الذي سيخسرونه لو عاشوا فعلا بسلام؟
تبدَّى لي لاحقا أني كنت أنظر إلى العالم بنظرة رومانسية أكثر مما ينبغي عندما بدأت أتتبع كنه الأشياء من حولي، ثم رويدا رويدا بدأت أدرك أني كنت مخطئا وأن عليَّ أن أعيد حساباتي وتصوراتي للأشياء في الحياة.

لكن هذا سؤال جدير بأن يُسأل. لماذا لا يعيش الناس بسلام؟ فإن في الأرض من الموارد والخيرات ما تشبعهم جميعا، وفيها من المساحة ما تكفيهم وتكفي غيرهم، وفيها سماء تسعهم وتمطر عليهم جميعا، فلماذا هذا التقاتل والتناحر؟ لماذا يستحيل على الناس في الأرض أن يعيشوا بسلام؟

المسألة ليست بهذه البساطة والسهولة؛ إذ هي بالغة التعقيد والتأزم، ومن المحال أن يبقوا مسالمين هكذا من دون صراع، ذلك لأن الحياة على الأرض قائمة على مبدأ الصراع، الصراع بين الخير والشر، بين النور والظلام، بين بني آدم والشيطان، وهذه سنة الله في خلقه على الأرض، إذ لو كان في الأرض بشرا يمشون مطمئنين لما أنزل الله إليهم الأنبياء ولارتقوا إلى درجة الملائكية والطهر.

حين أخبر الله ملائكته بأنه {جاعل في الأرض} خليفة قالوا له {أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء} وبعيدا عن الاختلاف فيمن سبق البشر إلى الأرض؛ فهذا على الأقل دليل على أن من سبقهم كانوا أيضا قد أفسدوا فيها وسفكوا الدماء، ولما خلق الله آدم كان قد قدر بعلمه الأزلي أن الشيطان سيكون عدوه اللدود وسيجري منه مجرى الدم ومن هنا بدأت القصة..

عصى إبليس ربه فأُخرِج من الجنة، ثم عصاه آدم عليه السلام بإغواء من إبليس فأنزله إلى الأرض، فلما أنجب ذرية قتل قابيل هابيل وحصل أول خرق للسلام في الأرض ثم تتابعت تفاصيل القصة.
تقول الرواية بحسب ابن كثير في البداية والنهاية، إن آدم كان يزوج ذكر كل بطن بأنثى الأخرى، وإن هابيل أراد أن يتزوج بأخت قابيل، وأخت قابيل أحسن، فأراد قابيل أن يستأثر بها على أخيه، فأمرهما آدم عليه السلام أن يقربا قربانًا ففعلا، لكن الله تقبل صدقة هابيل؛ لصدقه وإخلاصه، ولم يتقبل صدقة قابيل؛ لسوء نيته، وعدم تقواه، فحسد قابيل أخاه فقتله، هذا ما يمكننا أن نقول عنه إنه تعارض مصالح أدى إلى جريمة قتل وهو أحد أسباب كثيرة تجعل من العيش على الأرض بسلام ضربا من المستحيل.

وإذا أردنا أن نتطرق إلى الأسباب الأخرى فإنه يمكن أن نقول إن اختلاف الأيديلوجيات والأفكار يؤدي أيضا إلى انعدام حالة السلم على الأرض لأن كل أيديلوجية ستحاول أن تطغى على غيرها وهذا يدفع إلى ما سبق وذكرناه من صراع الخير والشر.
يأتي بعد هذا اختلاف أمزجة الناس وأهوائهم واختلاف بيئاتهم وشهواتهم بسبب اختلاف العوامل المؤثرة على كل بيئة وعلى كل مجتمع.
يقول الدكتور عبدالله السفياني في كتابه "حجاب الرؤية" : "هل الإنسان حقا حر في اختياراته بدرجة لا يتطرقها الشك؟ أم أن إرادة الإنسان خاضعة لضغوطات خارجية بيئية أحيانا وداخلية نفسية أحيانا أخرى؟ هذه الأسئلة يمكننا أن نديرها على سلسلة الثقافات والعادات التي تمايز الشعوب والقبائل لنكشف لماذا يفضل شعب شيئا ما على غيره".

ومن الطريف ذكر ما حصل قبل فترة في الهند فقد قتل رجل مسلم على يد أفراد من الهندوس لاعتقادهم أنه أكل لحم البقر المقدس عندهم، فلم ينتظروا حتى يتأكدوا من ذلك بل دفعتهم عقيدتهم إلى ضرب الرجل وابنه حتى الموت.
أرأيتم كيف دفع اختلاف الأيدلوجيات والثقافات إلى قتل رجل بريء! وفيما لو تحقق الأمر فعلا وأكل لحم بقر ثم قتل على إثرها سنقول أيضا إنه بريء، نعم إنه بريء في نظري وفي نظرك لكنه مذنب أشد الذنب عندهم ويستحق القتل؛ ذلك لأننا نعتقد أن لا محظور في أكل لحم البقر، بينما هم يقدسون البقر ويعبدونه، وإن كان الأمر بالنسبة لنا مضحكا أن يقتل رجل من أجل بقرة؛ فإننا حتما لو كنا هناك لقلنا الكلام ذاته واعتقدنا مثلهم ولم نر أي حرج في قتل الرجل.

يقول الدكتور علي الوردي: "حين يدافع الإنسان عن عقيدة من عقائده المذهبية يظن أنه يريد بذلك وجه الله أو حب الحق والحقيقة، وما درى أنه بهذا يخدع نفسه، إنه في الواقع قد أخذ عقيدته من بيئته التي نشأ فيها، وهو لو كان نشأ في بيئة أخرى لوجدناه يؤمن بعقائد تلك البيئة من غير تردد".
شيء آخر هو: اختلاف أهواء الناس ورغباتهم وشهواتهم مما لا علاقة له لا بالعقيدة ولا بالفكر بل بغريزة الإنسان الحيوانية بدءًا بغريزة الأكل وغريزة الاستمتاع بالملذات المختلفة وانتهاء بغريزة الجنس بين من يلبي نداءات هذه الغرائز بوجه حق ومن يلبي نداءاتها بغير وجه حق، وهذا ربما من أكثر الأشياء التي يختلف عليها الإسلام مع الفكر الليبرالي أو الفكر الغربي في عدم كبح أي غريزة ما دامت مقننة؛ فالجنس مشروع والمثلية مشروعة والخمر والربا والسرقة، وأعني بالسرقة هنا نهب مقدرات البلدان المستضعفة عبر استعمارها والتسلط عليها أو إخضاعها لأنظمة هم واضعوها وفق ما تشتهيها أنفسهم.
من هذا كله يتبين لنا أن الصراع سيبقى على الأرض ما دامت هناك حياة وما دام هناك بشر ولن ينتهي إلا حين تقوم القيامة ويبدأ الله بالفصل بين الخلائق ويسترد كل مظلوم مظلمته ويأخذ كل ذي حق حقه.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.