المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

عبدالله عبدالقادر Headshot

مصالحة الذات

تم النشر: تم التحديث:

يخطئ كثير من الناس في الفصل بين ما هو عليه الآن وبين ما تطمح نفسه إلى أن يصير إليه، فتبدأ لديه حينئذ حالة من الاضطراب النفسي والانفصام الخلقي وهو في طريقه إلى محاولة المواءمة بين الاثنين، وحينها يسقط في هنات كثيرة ويرتكب أخطاء شنيعة تزيد من حدة اضطراب حالته التي ذكرناها.

حين يبدأ الإنسان في إنكار واقعه والتملص منه تترسب في أعماق روحه عقدة النقص والشعور بالضعف والخور والدون، وحتى يتخلص من ذلك الشعور يبدأ في رد فعل عكسي يحاول فيه نفي الواقع وإيهام نفسه بأنه في الدرجة التي يطمح إليها، فلا توافقه النفس على ذلك، لكنه يظل ينازع ويحارب حتى لا يظهر للناس في تلك الحالة ويكون أقرب لقول الله -تعالى:- "وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم" نعم إنه يجحد نفسه التي تصدقه ويكذبها ويعادي كل من يحاول الاقتراب من منطقته المضطربة والقلقة، حتى إنك تجده يبادرك بالهجوم إن شعر أو توهم أنك تنتقده، وذلك لأنه يشعر بالنقص في نفسه وبالكمال الذي تمناه ولم يبلغه في غيره فلا يستطيع إخفاء هذا النقص إلا بالكذب والتظاهر بالندية مع الذي أمامه مما يدفعه إلى الهجوم.

في المجتمع من حولنا أمثلة كثيرة على ذلك فكم من فقير يحاول الهرب من وصمة الفقر بتقليد الميسورين في لباسهم وحديثهم ومعيشتهم، وكم من جاهل حاول مرارًا التعالم على الناس وإيهامهم أنه بلغ رتبة الاجتهاد وهو أجهل الناس بموضع إزاره، وكم من شخص في الطبقة الكادحة ادعى أنه من طبقة الارستقراطيين والنبلاء، فقط لأن كل هؤلاء تمنوا أن يصيروا إلى ما ادعوه فلم يتمكنوا فاحتالوا على أنفسهم.

إن بإمكان الإنسان بكل سهولة أن يختصر على نفسه المسافة ويعترف بواقعه كي يساعده على التعامل مع بيئته؛ وهو ما يسمى بـ "التصالح مع الذات" أي معرفة النفس معرفة حقيقية وما فيها من التحيزات والأهواء الخفية، وإن أول طريقة للخروج من هذه الأزمة النفسية هو الاعتراف بحقيقة المربع الذي يقف عليه الآن والمسافة التي تفصله عن المربع الآخر الذي يود الوصول إليه ثم تقدير ما يتطلب الوصول إلى ذلك من تجاوز في المسافة واكتساب القدرة الذاتية على تحقيقه.

إن كثيرًا منا يجهل نفسه ويعاديها من حيث لا يدري حين يحاول الكذب عليها وإشعارها بغير حقيقتها فيرفض عقله الباطن التعامل معه، لأنه لا يقتنع إلا بنتائج مبنية على مقدمات صحيحة وهذا يقوده إلى صراع مع نفسه ومع من حوله.

علينا أن نتصالح مع ذواتنا وأن نعرفها حق المعرفة قبل أن نحاول فهم العالم والناس من حولنا لأن فهم ذواتنا هو ما يقودنا إلى فهم ما حولنا وإلى كيل الأمور بموازينها.

وقد صدق الأول حين قال:
داؤك منك وما تبصر.. دواؤك فيك وما تشعر
وتحسب أنك جِرْم صغير.. وَفيك انطَوَى العالمُ الأكبرُ

يكرر علماء النفس وتطوير الذات جملة هي "كن أنت" أي كن أنت على ما فطرت وجبلت عليه ولا تتصنع شيئًا لا تعرفه ولا تدركه وكن شخصية مستقلة لا تتماهى مع غيرها وإن كانت أكبر منك، نعم.. عليك أن تستفيد ممن هم أعلى منك شأنًا وفضلًا وعلمًا، لكن كن كالذي يغرف من البحر ولا يغرق فيه، وإن كنت تريد الارتقاء بذاتك إلى حيث وصلوا إليه فعليك بالجد والمثابرة وسلك طرائق المعرفة والثقافة والعلوم.

يقول الدكتور عبدالكريم بكار في كتابه (50 شمعة لإنارة دروبكم): "هناك من هو ليس راضيًا عن القرية التي ولد فيها، وكان يتمنى لو ولد في مدينة كبرى، وهناك من يتمنى لو كان أبوه ثريًّا، فينشأ في أسرة مرفهة، وهناك أعداد كبيرة من البنات المتضايقات من أشكالهن وألوانهن، وهناك وهناك، والرسالة التي أود بثها هي أن الإمكانيات التي زودنا بها الخالق -جل وعلاـ والظروف والأوضاع التي نشأنا فيها لا تتحكم في مستقبلنا على نحو كلي".

على الجانب الآخر من الموضوع فإن صنفًا آخر يحتاج إلى مصالحة ذاته أيضًا ويعرف قدر نفسه فلا ينزلها عن درجتها ويشغلها بسفاسف الأمور وتوافهها.

إن هذا الصنف على النقيض من الصنف الأول فهو يحتاج إلى معرفة قيمة ذاته وعلو كعبه وسمو نفسه فلا يزاحم من هو أدنى منه ولا يلتفت لما يثار على جانب الطريق من غبار وضوضاء ولا يرد على الشامتين والحاسدين.

ذكر ابن الجوزي في كتابه المنتظم في تاريخ الأمم والملوك أن الأعمش -رحمه الله- خرج مع إبراهيم النخعي يريدون الجامع، فلما صاروا في خلال طرقات الكوفة قال له النخعي: يا سليمان هل لك أن تأخذَ في خلال طرقات الكوفة كي لا نمر بسفهائها فينظرون إلى أعور وأعمش فيغتابونا ويأثمون؟
فقال الأعمش: يا أبا عمران، وما عليك في أن نُؤجر ويأثَمون؟!
قال النخعي: يا سبحانَ اللهِ! بل نَسْلَمُ ويَسْلَمونَ، خيرٌ من أن نؤجرَ ويأثمونَ.!

فانظر أخي القارئ إلى هذا التسامح الخلقي والكرم النفسي الذي وصل إليه النخعي وكيف عرف قدر نفسه فلم ينزلها عن مكانها وظل كريمًا حافظًا لمروءته ووقاره، فلا أوقع نفسه في حرج ولا أعان من هو أدنى منه على النيل منه، وهنا دعوة إلى أن يعرف كل منا نفسه فلا يرفعها إلى حيث لم تصل إليه ولا يخفضها إلى ما ارتقت عنه.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع