المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

عبدالله عبدالقادر Headshot

التوافه و"الماجريات" في حياة الناس

تم النشر: تم التحديث:

ظاهرة انتشار انشغال الناس بتوافه الأمور وسفاسفها ظاهرة سيئة تشي بعواقب غير حميدة من انجرار المجتمع نحو قضايا ثانوية هامشية غير مفيدة، بل ربما مضرة وذهولها عن القضايا الرئيسية الملحّة.

ومن أبرز معالم انشغال الناس بالتوافه انتشار الهاشتاغات التافهة على تويتر والقضايا التي تطرأ من حين لآخر ولا تمثل مبدأ ولا ديناً ولا خلقاً، وتفاعل الناس معها بشكل كبير في الوقت الذي تجلس فيه المنطقة والأمة على صفيح ساخن ملتهب بالقضايا والأزمات الإنسانية والفكرية.

وهذه الظاهرة نابعة أصلاً لو تقصينا أمرها من الرخاء والترف المعيشي في الحياة حين لا يجد المرء ما يشغل به حياته فتشغله نفسه بأمور تافهة، ولو تتبعت الحراك المجتمعي في الدول الناشئة أو الدول التي تشهد صراعات سلطوية أو سياسية، وغير ذلك من الدول فإنك لا تجد هذا؛ لأن واقعهم المعيشي أبعدهم عن ذلك بما هو ضروري ومهم.

ابن خلدون في مقدمته ذكر أن الترف والنعمة الزائدة والتفنن فيهما واستجادة أحوالهما مفسدة للأخلاق وداعية إلى الانشغال بالسفسفة والتوافه، بل ذهب إلى أبعد من ذلك حين قال إن كثرة الشهوات والملاذ الناشئة عن الترف تؤدي إلى الفسق واطراح الحشمة، ثم إذا كثر ذلك تأذن الله بخراب تلك المدن وانقراضها، مستشهداً بقوله تعالى: "وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميرا".

وبرأيي أن لهذه الظاهرة سبباً أولياً ساهم في تشكلها وتبلورها وهو الانفجار التقني وانتشار وسائل الإعلام الجديد وتنوعها، وسهولة الوصول إليها لكافة الأعمار والأجناس، فصاروا يملأون بها وقت فراغهم ويتسلون فيها لطرد مللهم وسآمتهم ووجود شيء من الاستقرار المجتمعي والأمني والبطالة والفراغ، ولو رجعنا بالزمن قليلاً فإننا سندرك حتماً أن المجتمع في مثل هذه القضايا كان أكثر وعياً وإدراكاً وأقل حمولة وتخففاً من تبعاتها، وإلا فما حاجة الناس مثلاً للاهتمام بسقوط ممثلة وإجرائها عملية تجميلية ووقوع فلان المشهور في زلة أثناء إلقاء كلمة وحياة اللاعب الفلاني الخاصة وسيارته الفارهة وزوجته الحامل ومؤخرة تلك الراقصة وفستانها.

وأتذكر هنا خبراً قرأته قبل فترة عن المذيع الأميركي أورلاندو الذي خرج من الاستوديو ولم يتمالك نفسه من الغضب لدى ذكر اسم نجمة تلفزيون الواقع "كيم كارديشيان" وترك زميلته لتستكمل الحلقة واعتذر قائلاً: "لقد اكتفيت من هذه العائلة ولا أستطيع تحمل أخبارهم مرة أخرى ولا أهتم بهذه العائلة، لقد سئمت منهم، هذه ليست أخباراً نستطيع عرضها"، وتابع:" نحن نعرض أخبارهم كل يوم، هذا لا يحتمل".

بالفعل إن ما تفعله وسائل الإعلام من عرض حياة المشاهير الخاصة ودقائق أمورهم والاهتمام بأمور أناس تافهين بغرض مادي بحت يجعل المرء صحيح العقل والفطرة يشمئز وينفر من الوضع الحالي لها وينأى بنفسه عن إضاعة وقته وماله وجهده في أمر لا يرجع من ذلك بشيء.
إن وسائل التواصل الاجتماعي على ما فيها من الفائدة والمعرفة باتت تشكل خطراً فعلياً على الناس، إن لم يتداركوا أنفسهم ويقننوا ارتيادهم لها وللقضايا التي فيها فهي تحمل الغث والسمين والمفيد والتافه وفيها العالم والمفكر ومن هو دونهم، ومن هو أدنى من كل هؤلاء، يشغل نفسه ويشغل غيره في قضايا لا تقدم معلومة ولا تسعد محزوناً ولا تفك أسيراً ولا تحق حقاً ولا تزهق باطلاً، وتخرج في نهاية يومك لتسأل أي منجز قدمته لنفسك أو مجتمعك فتفاجأ بأنه لا شيء، وأنك مررت على مئات المعلومات التي لا تفيدك فائدة حقيقة وعرفت أحداثاً ستحدث مثلها غداً وينسيك آخرها أولها.

في تجربة المفكر السعودي عبدالله الغذامي في ارتياد "تويتر" نموذج إيجابي ورائع في كبح جماح النفس عن التمادي وإضاعة الوقت كله في هذه المواقع، فقد قطع الغذامي عهداً على نفسه بأن ينقطع عن الكتابة والرد بعد الساعة الثامنة مساء وما زال يتقيد بهذا القيد إلى هذا اليوم حسبما أعلم.

يقول الأستاذ إبراهيم السكران في كتابه اللطيف "الماجريات" الذي يتحدث فيه عن تقصى الأنباء اليومية المتدفقة وجدل الناس حولها، على شبكات التواصل، والانجرار إلى مطاردة المهاترات الفكرية والقضايا الصغيرة إن الدوران اللاواعي في مثل دوامة الهواتف الذكية اللصيقة وتطبيقاتها يفضى بالمرء إلى الانفصال التدريجي عن روح العمل والتنفيذ والإنتاج، والشعور بأن المشاهدة والتعليق هي الحالة الطبيعية التي يعيشها طالب العلم والمصلح.
وقد فصل الكاتب في هذا الكتاب تفصيلاً دقيقاً لأحوال كثير من الناس الغارقين في لجج وسائل التواصل وأنواع المنشغلين وكيفية التخلص منها، وأهيب بالجميع قراءة هذا الكتاب الجميل.