المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

عبدالكريم محمد  Headshot

عن الانتخابات - نحو إدارة دولية للانتخابات .. ولما لا

تم النشر: تم التحديث:

يمكننا القول أن الإنتخابات لم تفقد مصداقيتها ولكن النظام السياسى هو من فقد المصداقية .

(1)

منذ إنقلاب الثالث من يوليو 2013 وما تبعه من تفتت لما كان يسمى بتحالف 30 يونيه تحرك النظام العسكرى الحاكم فى مصر خطوات متسارعة نحو تقويض العملية السياسية (وأدها بتعبير أدق) حيث تخلص جناح الدولة الأمنى-العسكرى من شركائهم السياسيين فى التحالف المزعوم والذين كانوا قد شكلوا أول حكومة بعد الإنقلاب .
ليس خافيا على الجميع أن النظام الحاكم لم يكن يريد إنتخابات برلمانية من الأساس بل سعى لتأجيلها أكثر من مرة محاولاً الإفلات من تعهداته التى سميت فى وقتها بخارطة الطريق ، ولم يوافق على إجرائها إلا مجبراً ولأسباب تتعلق بالخارج ( القروض - البحث عن شرعية دولية ) أكثر منها بالداخل .

(2)

سعى النظام بكل الطرق إلى إجراء إنتخابات بالتفصيل وعلى مقاسه لضمان ولاء الهيئة البرلمانية التى تفرزها تلك الإنتخابات،فقد جاء إصدار قانونىّ مجلس النواب وتقسيم الدوائر مخلاً بتحقيق المساواة السياسية بين الأفراد، كما أنهما نالا إنتقادات عديدة من أغلب القوى السياسية والأحزاب الفاعلة التى أعلن الكثير منها المقاطعة، مكتفين بالمعارضة السياسية من خارج الهيئة البرلمانية وهو ما يعتبر تشكيكاً صريحاً فى الهيئة التى تفرزها هذه الإنتخابات وعدم الاعتراف بهما.
كما جاء إشراف القضاة على الإنتخابات ليعيد التساؤل مجدداً حول مصداقية القضاء للإشراف على الإنتخابات بعد أن بات القضاء طرفاً فى الصراع السياسى والإجتماعى الحاصل فى مصر حالياً ، وبعدما أفصح عن خصوماته مع بعض القوى والأحزاب السياسية فى ساحات المحاكم علناً وفى غير قضية.

دور قوات الجيش و الشرطة فى تأمين عملية الإنتخاب لا يمكن فصله عن أدائهما الأمنى وتجاوزاتهما فى حق المواطنيين من مطاردة فى الشوارع واعتقال وسجن وقتل ، فكيف يذهب مواطن للإدلاء بصوته وهو لا يأمن على نفسه من الإعتقال وخصوصاً بعدما باتت وزارة الداخلية تعتبر جميع المواطنيين أعداء لها.

كل هذه الأمور المتعلقة بالعملية الانتخابية تقودنا إلى التشكيك ليس فقط في العملية الانتخابية ونتائجها بل وفي القائمين عليها ، وخصوصا بعد ان تأكد الجميع من عدم وجود أى إرادة سياسية لنزاهة الإنتخابات ولا أى نية لتغيير ديمقراطى حقيقى.

فشل النظام فى إجراء إنتخابات حرة ونزيهة وبأداء وُصف بالمسرحى أو تمثيلية الانتخابات كما وصفها كثير من المتابعين والمحللين يدفعنا للتساؤل عن جدوى أى عملية إنتخابية يجريها النظام الحالى أو بإستخدام نفس المؤسسات والطرق التى أثبتت التجربة عدم صدقها وعدم حياديتها.
"كم مهدت الانتخابات الطريق لقيام الدكتاتوريات، وأدت إلى تفاقم الصراع والتوتر"

(3)

بالأخير بات الشك يحيط بكل أضلاع العملية الإنتخابية ( إطار قانونى - إجراءات - تأمين - إشراف قضائى - فرز وإعلان نتائج - الفصل فى الطعون والقضايا) التى خرجت بالفعل عن نطاق النزاهة والحيدية وأصول الديمقراطية والحد الأدنى لأى عملية سياسية سليمة.

وعليه يجدر بنا البحث عن طريقة لإجراء إنتخابات حرة ونزيهة ومعبرة بحق عن إرادة الناخبين وفى نفس الوقت لا يُجريها النظام الحالى (ولا حتى بمشاركة أدواته من القضاء والداخلية) الذى تصاحبه الشكوك حول شرعيته وأدائه.
فشل اجراء انتخابات حرة ونزيهة يفتح الباب أمام كل الاقتراحات لكفالة أن تكون الانتخابات سليمة وذات مصداقية وشفافة ،حتى لو كانت الحلول من خارج النظام ومن خارج جميع مؤسسات الدولة ، طالما ظل الهدف المنشود بالنزاهة والحيادية مفقود .‏
"إن الحكم على الإنتخابات في الديمقراطيات الجديدة أو الناشئة بمقاييس سطحية أو نسبيبة من شأنه أن يزيد جرأة الحكومات المستبدة ويثير الشكوك داخل وخارج البلد المعني"

(4)

دول كثيرة مرت بظروف سياسية عنيفة جرّاء الصراع السياسى أوعقب إنقلاب عسكرى أو خارجة من عقود من الحكم الإستبدادى أولإنعدام الثقة بين السياسيين وبعضهم أوبينهم وبين مؤسسات الدولة التى تدير الإنتخابات (أو كل ذلك مجتمعاً كما الحال الحاصل فى مصر)،ظروف جعلتهم يلجئون إلى خيار إدارة دولية للإنتخابات لإختيار رؤساء وتشكيل حكومات تحوز الرضا الشعبى والإعتراف الدولى ،محققين خطوات ملموسة على طريق التحول الديمقراطى .
فلما لا تُجرى مصر إنتخابات عبر إدارة دولية تنظم الإنتخابات وتشرف عليها ، إدارة كاملة غير منقوصة لجميع مراحل العملية ‏الانتخابية ،بدءاً من تنظيم وتطبيق الإنتخابات (بالحوار مع الممارسين وكل الاحزاب السياسية ،وتصميم نُظم إنتخابية أكثر فعالية ، ووضع قوانيين إنتخابية عادلة ،وإتباع إجراءات واضحة لتسجيل الناخبين والمرشحين ،وعدم إستثناء أى حزب سياسى من المشاركة) ،مروراً بالإشراف والسيطرة على الإنتخابات(تولى عمليتى الإقتراع وعد الأصوات وإعلان النتائج ،مع وضع القوات المسئولة عن التأمين تحت إمرتها )، وإنتهاءاً بالتحقق من العملية الإنتخابية (الفصل فى الطعون ،وتمكين الفائز فى الإنتخابات من تولى مهامهم ومسئولياتهم).
‏إدارة بمشاركة المنظمات الدولية والقارية المتخصصة والعاملة فى هذا المجال والمشهود لها بالكفاءة والحيادية وما أكثرها.. ما المانع ؟
"من المتفق عليه ألا تحول الترتيبات السياسية لمجتمع دون طلب المساعدة الإنتخابية "

(5)

ولأنه لا يمكن التعويل على قوى غير ديمقراطية لإجراء انتخابات ديمقراطية ، يتوجب علينا المطالبة بإدارة دولية لأى إنتخابات (رئاسية كانت أم برلمانية )، ومواجهة كل دعاوى تعوق مثل هذا الأمر ، لنواجه تسييجات سيادة الدولة والأمن القومي.

أوليس تشكيل حكومة منبثقة عن ارادة حرة للناخبين عبر انتخابات نزيهة وتحوز المصداقية هو عين الأمن القومى ، هل إنتخابات مشكوك فيها تُفرز مثل تلك الحكومات أم بإنتخابات نزيهة حتى لو جاءت بإدارة دولية ، أيهما يُنتج إستقرار سياسي وإحترام الحريات الأساسية وسيادة القانون وحقوق الإنسان ،أيهما يخدم سيادة الدولة ويقويها ؟

كما أن حق الناس في اختيار من يحكمهم عبر انتخابات شفافة ونزيهة وديمقراطية هي عين سيادة الشعب التي تعلو فوق أي أمر آخر.

"ينص الإعلان العالمي لحقوق الإنسان على أن "إرداة الشعب هي أساس سلطة الحكومة"

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.