المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

عبدالكريم محمد  Headshot

ما بين نداء تونس و30 يونيو لماذا لا تدوم تحالفات الدولة العميقة

تم النشر: تم التحديث:

(1)
في الحياة السياسية التحالفات شيء مهم وضروري، ويعطي السياسة زخماً وحراكاً ينعشها ويقويها.

بقدر الحاجة للتحالفات تكون أهميتها، وبحسب أساسها الذي بُنيت عليه تكون قوتها، وبحسب الغاية منها والقوى المنضمة لها تتنوع أشكالها.

من بين عدة عوامل تؤثر في التحالفات وتحدد عمرها تبرز أهمية الأساس الذي بُني عليه أي تحالف وطبيعة القوى المشكلة له، فلابد للقوى المتحالفة من بعض القواسم المشتركة وأن يجمعها رابط ما قوي يمثل الأساس أو الأرض الصلبة التي يُقام عليها التحالف (سواء كان هذا الرابط سياسياً أو اجتماعياً أو أيديولوجياً)، وهناك تحالفات لا تدم طويلاً (ولأسباب داخلية) إما لأنها لم تبن على أساس قوي، أو أنها جاءت كاستجابة لموقف سياسي معين لا يتجاوز اللحظة الآنية، أو أنها تحوي تناقضات سياسية وأيديولوجية لا يظهر تأثيرها في البداية لكنه حتماً يظهر مع مرور الوقت.

أسباب قيام التحالف تمده بالاستمرارية، وطريقة إدارته تمنحه القوة، ومكوناته تمنحه التجدد، وقد يكون بعض ما سبق عوامل هدم للتحالف نفسه في ما بعد إذا كانت الأسباب وقتية وطريقة ادارته لا تتمتع بالديمقراطية الداخلية، ومكوناته متنافرة سياسياً، أي أنه تشكل ويحوي أسباب فشله وانفراط عقده.
(2)
شكلت استقالة 32 عضواً من حزب نداء تونس (إثر خلافات داخلية حول طريقة إدارة الحزب) ضربة قوية للحزب وللتحالف الذي نشأ الحزب من رحمه، كان نداء تونس (الحزب) نشأ من تحالف حمل نفس الاسم (حركة نداء تونس) أُعلن عنه في ديسمبر 2012 (كجبهة سياسية لتجميع القوى اليسارية والديمقراطية والليبرالية وشخصيات من نظام زين العابدين بن علي).

استقالة أثارت كثيراً من التكهنات حول الشكل المستقبلي لحزب نداء تونس ومصير الكتلة البرلمانية للحزب وبالتالي مصير الحكومة والآثار التي تلحق بالحياة السياسة التونسية بعد هذا التغيير لما يمثله نداء تونس (الفائز بالانتخابات البرلمانية والرئاسية) من ثقل وتوازن للحياة السياسية التونسية.

استقالة تبرز مجدداً التحالفات ونشأتها ومكوناتها وطريقة إدارتها وعمرها وأسباب نجاحها وأسباب فشلها أيضاً.

حيث مَثْل نداء تونس تحالفاً لقوى سياسية انتمت في أغلبها لعهد بن علي (تحركت بعد مقتل معارضين تونسيين وجمعها مطالبة المجلس الوطني ذي الاغلبية النهضاوية بتحديد مدته وسرعة تحديد موعد إجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية)، تحالف تحول الى حزب سياسي وانضم له كل من تخوف على مصالحه من التحول الثوري الديمقراطي بالإضافة للمختلفين أيديولوجياً مع الإسلاميين والراغبين في العودة للحكم مجدداً، لذلك ولد نداء تونس كبيراً، ورغم ذلك فشل (الى الآن) في الاستمرار على حاله لاختلاف الاتجاهات السياسية لمكوناته ولافتقاده الديمقراطية الداخلية.

يمكننا القول إنه تحالف جمع مكوناته في مواجهة الإسلاميين، حيث ضم اليساريين بجوار الليبراليين مع قوى بيروقراطية انتمت لحكومات بن علي وشخصيات عملت في نظامه لسنوات، أي يمكننا أن نصنفه ضمن تحالفات بيروقراطية - برجوازية.
(3)
وفي الحالة المصرية نجد التحالفات التي جرت في مصر لا تختلف كثيراً عن تحالفات تونس.

فقد ظهرت جبهة الإنقاذ في نوفمبر 2012 بعد الإعلان الدستوري الذي أصدره الرئيس محمد مرسي بيومين (تشكلت من أحزاب سياسية ذات أيديولوجيات ليبرالية ويسارية وأحزاب ما قبل ثورة يناير) لا لتكون تحالفاً معارضاً حقيقياً بل ضد الإعلان الدستوري (للدفاع عن الدولة المدنية الديمقراطية والوقوف مع القضاء واتخاذ موقف موحد لرفض الإعلان الدستوري.. بحسب اعلان قادة الجبهة أنفسهم).

تحالف مرحلي نشأ من رحم اللحظة واستجابة لظرف سياسي واحد، كانت مكوناته قد فشلت في تسمية مرشح رئاسي واحد في الانتخابات الرئاسية المصرية مايو 2012 قبل تكونه بأشهر قليلة.

الخلاف داخل الجبهة حول تضارب مواقف أعضائها من المشاركة في استفتاء دستور 2012 (ما بين المقاطعة أو التصويت بلا أو إلغاء التصويت على الاستفتاء)، وحول قيادتها، وحول انضمام الفلول لها، خلاف لم يمنحها القوة الداخلية، وجاء إقرار دستور 2012 لينهي عملياً دورها بعد أن انقضى السبب الذي قامت الجبهة من أجله.

تحالف كان من الممكن أن يكون قوياً لو قام على أساس سياسي - اجتماعي واضح، لكنه أضاع فرصة تاريخية كانت أقرب للتحقق لو وافق التحالف على خوض الانتخابات البرلمانية التي كان مزمع إجراؤها في ذلك الوقت، فكان بإمكانه اكتساح الاسلاميين (نظراً لتدني شعبيتهم في الشارع) ولسيطر على الحياة البرلمانية لسنوات، ويمكن تصنيفه ضمن تحالفات بيروقراطية - مصلحية.
(4)
مع تزايد الغضب النخبوي تجاه الرئيس محمد مرسي ظهر تحالف جديد/قديم تمثل في جبهة الانقاذ بالاضافة الى اجهزة الدولة البيروقراطية (جيش - شرطة - قضاء) انضم لهم رجال أعمال ممثلو الرسمالية مشكلين ما أطلق عليه تحالف 30 يونيو.

كسابقته الجبهة نشأ تحالف 30 يونيو استجابة لظرف سياسي واحد، وجمع أحزاباً ذات أيديولوجيات متباينة والأقباط وتياراً سلفياً وأجهزة أمنية وفلول النظام القديم ورجال أعمال ساهموا في تمويل التحركات وإعلاميين، واختصاراً التقى فيه كل من يؤيد إزاحة الإسلاميين عن الحكم ومن يريد تغيير الأوضاع التي أفرزتها ثورة يناير، أي أنه تحالف يصنف ضمن تحالفات أمنية - رأسمالية.

فبعد أقل من شهرين على الانقلاب العسكري الذي ازاح الرئيس محمد مرسي لم يستطع التحالف الاستمرار على حاله، فقد شكلت استقالة محمد البرادعي من منصب نائب رئيس الجمهورية المؤقت (الذي عينه الانقلاب) أول ضربة قوية للتحالف، ثم تلا ذلك الخلاف حول استحقاقات خارطة الطريق المعلنة في 3/7 ومطالبة قوى التحالف السياسية بإجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية دون تأخير بعكس قوى التحالف المتمثلة في قيادات الجيش التي عارضت هذا المطلب لأنها تحتاج وقتاً أكبر لترتيب الأوضاع لصالحها، ورجال أعمال يريدون المقابل لتدعيمهم للتحالف مالياً وإعلامياً، ما بين هذا كله دار الصراع داخل التحالف الذي انقضى دوره ووجوده عملياً بعد إقالة حكومة حازم الببلاوي في فبراير 2014.
(5)
القاسم المشترك بين تحالفات المرحلة الانتقالية في مصر وتونس هو إعادة إنتاج تحالفات تقليدية من رحم شبكات الدولة العميقة لتُؤمن الوصول للسلطة او الاحتفاظ بها، تؤسس للاستقطاب وترسخه، (ومن أجل التجمع ضد الإسلاميين)، ظهرت معتمدة على الظرف السياسي اللحظي، وهي أمور ليست بأساس تبنى عليه تحالفات تستطيع البقاء، فهي تحالفات لم تقم على أساس حقيقي سواء أيديولوجي أو اجتماعي او سياسي.

فشل "نداء تونس" لاختلاف التوجهات السياسية بين أعضائه ولعدم استكمال بنائه الداخلي الذي يحدد قيادته ويحدد مسار الحزب ويحل الخلافات المتوقعة.

وفشل 30 يونيو بسبب إقصاء القوى المدنية لصالح الجهات الامنية -السيادية واتباعها، وبسبب الطبيعة المتناقضة لمكوناته (سلفيين وأقباط - يساريين ورأسماليين - مدنيين وعسكريين) فكان مستحيلاً أن يستمر.

تحالفات مصلحة ناتجة عن ظرف سياسي آني تفتقد البعد الاجتماعي وتقودها أجهزة الدولة او برعايتها او احزاب ما قبل الثورة ورجال اعمال يخشون على اوضاعهم ونخب سياسية يمنون انفسهم بالسلطة ويخشون وصول الاسلاميين للحكم، هي في الحقيقة تحالفات هشة لا تستطيع ان تصمد مع التقلبات السياسة، تحالفات تحمل في طياتها اسباب انهيارها اكثر من اسباب استمرارها، لتكونها من كيانات وأفراد مختلفين فكرياً وأيديولوجياً واجتماعياً، شكلوا هم بأدائهم معاول هدم اكثر منها بناء.
فشلت لأنها لم تتمكن من صياغة تحالفات اجتماعية تهتم بمتطلبات المجتمع وتراعي مصالحه وحركة التغيير فيه، ولعجزها عن إدارة الاختلاف والخلاف بين مكوناتها لانعدام الديمقراطية الداخلية فيها.
( 6)
إن استمرار أي تحالف مستقبلي يتطلب عدة أمور أهمها:

أولاً: عدم التحالف مع القوى البيروقراطية (خصوصاً الأمنية والعسكرية) للدولة مهما توددت للسياسيين او تقربت منهم، فهي أجهزة معنية بحماية الدولة من الأخطار الخارجية لا التنافس السياسي وحكم الدولة، والتجربة أثبتت أن تلك الأجهزة تعتمد طريقة حرق الأوراق بعد الاستفادة منها.

ثانياً: تبني سياسات اقتصادية تهتم بالعدالة الاجتماعية وقضايا الفقر والبطالة وإعادة توزيع الثروة، لتوسيع الحائل الاجتماعي للتحالف.

ثالثاً: الارتباط بقوى سياسية والتحالف على أُطر سياسية تجمع المختلفين فكرياً وأيديولوجياً وفق قواعد لإدارة أي خلاف قد ينشأ وفق أطر مؤسسية واضحة.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.