المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

عبدالكريم محمد  Headshot

هل انتهى الجنرال من تشييد نظامه؟

تم النشر: تم التحديث:

في سعي حثيث دأب السيسي على تشييد نظامه وبخطوات متسارعة، نظام جديد، أرد له السيسي البقاء والاستمرار؛ لذا يقيمه وهو يقضي على التجربة الديمقراطية الوليدة التي أفرزتها ثورة يناير / كانون الثاني، بدأ بإزاحة الإخوان المسلمين من الحكم، بالتزامن مع تفكيك الدوائر والكتل المؤثرة لنظام مبارك؛ حتى لا تشكل أي عقبة في طريقه، يشيد نظامه الخاص المستبد ويريد الهيمنة منفرداً حتى لو اقتضى الأمر التخلص من كل المعاونين والمحيطين به، الذين أوصلوه لسدة الحكم في مصر؛ ليظل هو متفرداً بقراراته وسلطته.

ثلاث سنوات اجتهد السيسي فيها لترسيخ حكم نظامه عبر أركان رئيسية اعتمد عليها، شَكَّل الجيش النواة الصلبة لها، بالإضافة للقضاء والشرطة والإعلام، شرع السيسي في بناء نظامه عبر رؤيته هو التي تلبي احتياجات أركان نظامه الجديد، وباستخدام طريقة الاستمالة والتقريب ثم الإبعاد والإطاحة لكل عناصر أركان نظامه للتخلص منهم عند اللزوم.

وعلى عكس ما يبدو، فإن أكبر معضلة واجهت السيسي في تأمين انقلابه واستمراره ليست خصومه السياسيين والرافضين لانقلابه (الذين واجههم بالقبضة الأمنية كإجراء سهل بالنسبة للجنرال العسكري)؛ بل شركاء انقلابه الذين أوصلوه إلى قمة السلطة، وشركائه هنا تشمل زمرة 30 يونيو / حزيران من نخب ورجال أعمال وإعلاميين والأجهزة الأمنية والمخابراتية وحتى العسكريين رفقاء الانقلاب المخلصين،

فقد شَكَّل معسكره نفسه عراقيل عدة له، فالشركاء المدنيون يريدون المشاركة في الحكم، والرفقاء العسكريون يمكنهم تكرار الانقلاب على السيسي نفسه وبسهولة، فاصطدم الجنرال بأزمات وخلافات مع نظامه، ظهرت في الصراعات الداخلية بين أجنحة نظام حكمه، التي استطاع حسمها لصالحه بعد عدة جولات مع كل منهم، حسب دوره.

وكغيره من العسكريين لا يثق السيسي في إدارة المدنيين ولا يريدهم من الأساس، فعاجل حكومة أحزاب الانقلاب بالإقالة بعد أشهر قليلة من تشكيلها، ثم حاصرهم وخنق حركتهم في المجال العام.

أما الأجهزة الأمنية والمخابراتية التي تملك من الأوراق التي تستطيع بها أن تستخدمها من جديد، أو تعيد ترتيبها وقت ما تشاء، فعمد السيسي لإزاحتهم من طريقه؛ حتى لا يمثل أي منهم تهديد محتمل لنظامه، فعصف بجهاز المخابرات العامة عبر عدة إطاحات برجاله وإحلال رجاله المخلصين مكانهم، ولم يسلم شريك انقلابه الأساسي وزير الداخلية من الإطاحة به.

وكعسكري منقلب يعلم السيسي تماماً أن ما فعله من انقلاب يمكن أن يتكرر معه هو شخصياً؛ لذا اعتمد طريقة الإقصاء والإبعاد لكل العسكريين الذين ساندوه، فنراه يغير المجلس العسكري مرتين من بعد توليه مقاليد الحكم في مصر، رغم أنه هو نفسه مَن اختار تشكيل المجلس العسكري وقت حكم الرئيس محمد مرسي.

أبعد السيسي القادة العسكريين الكبار الذين حضروا الفترة الانتقالية الأولى 2011 - 2012؛ لما لهم من تواصل مع القوى السياسية، ويعلمون كل مداخيل الأمور، وكيف جرت مقاديرها، ثم أبعد القادة العسكريين رفقاء انقلابه، خشية أن يكون لدى أحدهم طموح الحكم أو يستغل تأزم نظامه، ولأنهم يعلمون حقيقة الرجل الذي زاملهم لسنوات، وكان يحمل رتبة لواء حتى وقت قريب، والآن يرونه رئيساً، فلمَ لا يسعى غيره منهم لها؟!

ولا يزال السيسي يرتدي الزي العسكري في أكثر من مناسبة؛ ليصرف نظر المتعلقين بالجيش بأي قائد عسكري آخر، ولإخافة معارضيه بتأكد أن الجيش هو الذي يحكم، وفي نفس الوقت يشعر العسكريون أنه ما زال الرجل العسكري الأول المتحكم في كل الأمور داخل الجيش.

شهدت علاقة نظام السيسي بالقضاء تودداً مبالغاً فيه من الطرفين، بدءاً باستمالة المحكمة الدستورية وقت حكم الرئيس مرسي ثم تعيين رئيسها رئيساً مؤقتاً، تلا ذلك تعيين نائبين عامين موالين لنظامه، وتعيين قاضي الانقلاب (أحمد الزند) وزيراً للعدل -قبل أن يقيله منذ عام- ثم سعى السيسي لإحكام السيطرة على السلطة القضائية كلها، فما لبثت أن تحولت العلاقة إلى خلاف عميق بعد إقرار البرلمان قانوناً يجيز للسيسي تعيين رؤساء الهيئات القضائية، خلاف غير مستتر تشي به المعركة الدائرة الآن بين السيسي والقضاء، على خلفية حكم المحكمة الإدارية العليا بمصرية جزيرتَي تيران وصنافير.

الإعلام كان الهاجس المخيف للسيسي، لكنه بمعاونة أذرعه الإعلامية استطاع الوصول لحالة إغفاء لكثير من المواطنين عن حقيقة نظامه وحقيقة الوضع الأمني والاقتصادي، والآن يتخلص السيسي من إعلامييه واحداً تلو الآخر حتى لا ينطقوا بمعارضته، وليتحلل من فضلهم عليه شخصياً في 30 يونيو / حزيران، ويقصي منهم الطامحين لدور أكبر.

خارجياً ورغم الصمت المعبر عن الرضا من القوى العالمية الكبرى والمؤسسات الدولية والإقليمية عن الانقلاب العسكري في يوليو / تموز 2013، فإن تلك القوى لم تمنح الشرعية الدولية لنظام السيسي إلا عبر اشتراطات -أغلبها غير معلن- وَفَّى السيسي بها على أكمل وجه، خصوصا فيما يتعلق بأمن إسرائيل والمشاركة في الحرب المزعومة على الإرهاب.

حتى غيرهم تم شراء رضاه ومباركته عبر صفقات اقتصادية وتسليحية بعشرات المليارات من أموال المنح والقروض، أو عبر التنازل عن حقول غاز المتوسط، أو حتى بالتخلي عن حصة مصر التاريخية في مياه النيل لإثيوبيا التي رعت عودة مصر إلى الاتحاد الإفريقي، بعدما كان أوقف عضويتها فيه بعد الانقلاب العسكري.

بشراء السيسي شرعية دولية بات نظامه الانقلابي يتمتع بقبول دولي واسع (رغم بعض التململ منه)، فحاز السيسي على سبب الوجود الأول لاستمرار نظامه.

على صعيد الاقتصاد، بدلاً من أن يعيد السيسي إنعاش الاقتصاد بضخ جزء من المليارات فيه، تلك التي انهالت عليه من الخليج دعماً لانقلابه، وبدلاً من ذلك لجأ إلى سياسة الاقتراض والاستدانة والاستجابة لشروط وإملاءات المقرضين الدوليين بتطبيق سياسات السوق الحر، وتحرير سعر صرف الجنيه المصري؛ ليزيد من الأعباء الاقتصادية على المواطنين دون إجراءات حمائية أو برامج دعم حقيقية.

استفاد السيسي من ذلك بأن خفف الضغط عن ميزانية حكومته برفع يدها من واجباتها الخدمية (الصحية - التعليمية - الاجتماعية..) تجاه المواطنين من ناحية، واستغل القروض الجديدة لسد فوائد الديون القديمة ومعالجة عجز الموازنة من ناحية أخرى.

في نفس الوقت وبخطوات متزامنة مع إجراءاته الاقتصادية الصعبة على المواطنين تتعاظم إمبراطورية الجيش الاقتصادية بسيطرته على مجالات كثيرة كانت متروكة لتتنافس فيها الشركات المدنية، فتدخل الجيش في تجارة لبن الأطفال والسكر واللحوم المجمدة.. وغيرها، وسيطر بالكامل تقريباً على قطاع المقاولات فباتت الهيئة الهندسية للقوات المسلحة المقاول الأول في سوق التشييد والبناء، فحصل ضباط الجيش على مزيد من الأموال نظير مساندتهم خطوات السيسي وانشغلوا -في نفس الوقت - عن تغيير الحكم أو المزاحمة فيه.

بالأخير نستطيع أن نقول إن السيسي فرض هيمنة نظامه على مقاليد السلطة في مصر عبر مراحل:

* إزالة النظام المدني الذي أفرزته ثورة يناير / كانون الثاني، بتغيير جذري عبر انقلاب عسكري دموي.

* وضع أسس النظام الجديد وتحديد أركانه، وتهيئة المناخ الذي يريده لنظامه وتفعيل دور كل ركن في عملية البناء، وخلال هذه الفترة حدث تغيير لثلاث حكومات.

* فرض الهيمنة والسيطرة الكاملة عبر إقامة الهيكل الرئيسي لنظامه الجديد، وتشكيل السلطات الثلاث للدولة، وفق ما يخدم نظام السيسي.

لكن هذه الهيمنة لم تستقر بالكلية بعد؛ نظراً لكون عمادها الجيش وفقط ولطبيعة الركائز التي يستند إليها السيسي في تثبيت واستمرار نظامه.

فالشرعية الدولية ليست على صك مفتوح من الداعمين الغربيين أو الراعين الخليجيين، وتتطلب مزيداً من الخدمات والولاءات التي تُجْهد نظام السيسي، خصوصاً إذا ما كانت متضاربة مع ما يراه السيسي في مصلحته، وهذا عين ما شهده ملف العلاقات المصرية - الخليجية المتأزم على خلفية اختيار السيسي التحالف مع المحور الروسي - الإيراني في الأزمة السورية.

أما تحصين الجيش لنفسه اقتصادياً وسيطرته على بقية اقتصاد الدولة فهو على حساب إفلاس الاقتصاد المدني، وهو ما يجر على الشعب كوارث معيشية ويستدعي معه مزيداً من الرفض الشعبي لدور الجيش في الحياة العامة، وخصوصاً الاقتصادية والسياسية ورفض سياسات السيسي وحكومته، وقد يتطور هذا الرفض لما هو أبعد منه، ولا ينهي التفكير في الإطاحة بالسيسي نفسه من قِبل العسكريين (وهو ما يفسره لغز مقتل قائد الفرقة المسؤولة عن تأمين العاصمة منذ أشهر).

والقضاة بدأوا يتململون من إجراءات نظام السيسي لإخضاعهم بالكمال، وربما بسحب المميزات التي أغدقها عليهم من بعد الانقلاب، وفي وضع لا يسمح لهم بالكلام، خصوصاً بعد حادث مقتل أمين عام مجلس الدولة.

حتى سيطرته على الإعلام أصبحت في مهب الريح، فأذرعه الإعلامية تفقد صداها الشعبي بتزايد مطرد، وهل كان يتوقع أحد أن يُضرب إعلاميو السيسي في الشارع ويطردوا من وقفة أمام الكاتدرائية بعد حادث الكنيسة البطرسية؟ وحتى الإعلام المعارض تتزايد وسائله للخروج للناس، وبات يستقطب كثيراً ممن شاركوا في صنع 30 يونيو / حزيران بعد تراجعهم عن تأييد السيسي.

السيسي وصل لمرحلة الهيمنة، لكنها تظل محفوفة بالمخاطر، وهذا ما ستظهره لنا الأشهر والأعوام القليلة المقبلة.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.