المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

عبدالكريم محمد  Headshot

معادلة التخلُّص من نصف الشعب.. سياسات حكومة الجنرال لقتل المصريين

تم النشر: تم التحديث:

شهدت سنوات حكم حسني مبارك الأخيرة مشاكل اقتصادية عدة أرهقت غالبية المواطنين المصريين، تسبب فيها سياسات حكومات الحزب الوطني الاقتصادية، وشلة رجال الأعمال المتحكمين التي ظهرت مع صعود نجم ابن الرئيس، خصوصاً في لجنة السياسات التي ترأسها والمجموعة الاقتصادية التي عاونته، تعددت الأزمات التي خلقتها سياسات هذه الحكومات، فمن نواب القروض الذين استولوا على مئات المليارات بتسهيلات من جهات سيادية ثم هربوا بها تحت حماية نفس الجهات السيادية، إلى التعويم الجزئي للجنيه، مروراً ببرنامج الخصخصة المتسارع الذي أفقد الدولة قدراتها على التحكم في السوق من ناحية وشرد آلاف العمال من ناحية أخرى،

عانى المصريون بشدة من سياسات النظام الاقتصادية، حتى انتشرت بينهم مقولة: "اللي معاه يعيش.. واللي مش معاه يموت"، الأمر الذي مهَّد لمشاركة ملايين في ثورة يناير/كانون الثاني تحت وطأة الضغوط الاقتصادية والاجتماعية، الأمر الذي أكسبها قوتها الحقيقية بانضمام الملايين الهادرة لها (جمعة الغضب 28 يناير 2011) طلباً لحقوقهم الاقتصادية المشروعة، التى صاغوها بأبسط الكلمات وأعمق الدلالات "عيش".

بعد الانقلاب العسكري وتحت حماية الدبابة أحيا الجنرال المنقلب المعادلة الاقتصادية القديمة - الجديدة باتباع سياسات السوق النيوليبرالية بتحرير الخدمات ورفع الدعم بأنواعه، ومزيد من الخصخصة، وتخفيف الإنفاق الحكومي على الصحة والتعليم والخدمات الموجهة للمواطن، وربط الأسعار بالسوق العالمية، بالإضافة لمزيد من الضرائب والأعباء على المواطنين.

معادلة اقتصادية تبنَّتها الدولة مفادها "نصف شعب مصر الفقير يموت وينتهي"، سواء بالفقر أو المرض أو الجوع، أو بحوادث الطرق أو مراكب الموت، فكل السياسات الاقتصادية القديمة التي ثار الناس عليها، والتي ينتهج النظام سياسات أشد منها فُجراً وتعسفاً هي بالأساس موجَّهة ضد الطبقات المتوسطة والفقيرة والمعدمة، فهؤلاء هم مَن يطالبون بالدعم والعلاج والتعليم الحكومي هرباً من الجهل والفقر والمرض، وسياسات الحكومة -التي تحللت من مسؤولياتها تجاه المواطنين- تنتهج نهجاً مغايراً تماماً لذلك.

في حين يفاجئ السيسي الجميع -خصوصاً أنصاره الذين ضجّوا منه بسبب قراراته الاقتصادية وفقط - بقوله في أحد خطاباته: "إن ما تم في مصر خلال سنتين لا يمكن إنجازه إلا في 20 سنة"، ويقول أيضاً في مناسبة أخرى: "ماشيين صح"، وهو يقصد بذلك سياساته الاقتصادية، فالجنرال لا يضيّع وقته وهو ينفذ برنامجاً اقتصادياً غير معلن، فمثلاً قرار تعويم الجنيه مفاجئ وصادم لجميع المصريين، بينما يخرج وزير مالية حكومة السيسي ليقول: "إن قرار التعويم مدروس بالدقيقة والثانية"، على حد وصفه، سبق التعويم تخفيض الدعم العيني ورفع الجمارك على كثير من السلع وإصدار قانون جباية جديد باسم القيمة المضافة، وتلاه زيادة الجمارك مرة أخرى ورفع سعر المحروقات وليس آخِراً رفع سعر الأدوية.

المؤكد عندما يتحدث السيسي فإنه يقصد بـ"ماشيين صح" دولة نظامه وأركانها وفقط، فقراراته الاقتصادية مثَّلت سيفاً على رقاب ملايين من المصريين، فسقطت أغلبية الطبقة الوسطى في خِضَم معاناة الطبقة الفقيرة التي تحوَّل أغلبها إلى الطبقة المعدمة التي تتجه نحو الموت بسرعة، بينما أركان دولة السيسي يزدادون ثراء، فرجال الأعمال يخدمهم تعويم الجنيه، والتجار والصناع الكبار يفيدهم رفع الأسعار، والشرطة والقضاء والجيش تزيد مرتباتهم كل فترة ويُمنحون مزيداً من المكافآت طلباً لعونهم أو لسكوتهم.

وعليه نستطيع أن نؤكد أن سياسات النظام الاقتصادية هدفها قتل نصف المصريين الواقعين تحت خط الفقر، حتى تتخفف الحكومة مما تعتبره أعباءً عليها، أما النصف الباقي فهم يحتاجونه في تسيير أعمالهم (في قطاعات مثل البترول والاتصالات) وإدارة اقتصادهم (في قطاعات مثل البنوك والبورصة)، وخدمتهم (السياحة والفندقة)، وتأمينهم (الداخلية وشركات الأمن الخاصة).

فالمواطن المعدم والفقير عليه أن يختار الموت في مستشفيات لا تقدم خدمات صحية حقيقية، أو بالجوع والجهل، أو في حوادث على الطرق السريعة أو حتى في مركب متهالك في عرض البحر طلباً للهجرة، تلك المراكب التي تبحر أمام أعين حرس الحدود وخفر السواحل دون اعتراض أو منع.

الخلاصة: إن اقتصاد دولة الجنرال ليس فيه موازنة للإنفاق على الناس، أو تقديم خدمات تعليمية وصحية واجتماعية للمواطنين، أو كما عبَّر السيسي نفسه -في تسريباته التي أذاعتها شبكة رصد- بقوله: "أنا ما أعرفش حاجة اسمها ببلاش.. عاوز خدمة تدفع تمنها.. حتدفع يعني حتدفع"، وهو يسير وفق معادلة "التخلص من نصف شعب مصر الفقير بدفعه للموت"، تلك المعادلة التي عطَّلتها ثورة يناير ولو مؤقتاً، قبل أن يعيدها الجنرال المنقلب حتى يستطيع أن يحكم هو ونظامه دون أعباء أو خدمات للمواطن، حتى لو أدى ذلك إلى قتل نصف شعب مصر.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.