المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

عبدالكريم محمد  Headshot

نعم.. السيسي كان يمتلك برنامجاً رئاسياً

تم النشر: تم التحديث:

في حين يكثر الكلام عن أقوال السيسي وخطاباته وتتوالى السخرية والنكات مراراً، لكن تغيب التحليلات عن ماذا يقصد من وراء كلامه بالمرة؟!

قال السيسي ذات مرة: "إذا تكلمت عرفتك.. وإذا تكلمت أنا ستعرفني"، وهنا سنطبق ما قاله السيسي وأوصى به في هذه الجملة، فأقل المتابعين لخطابات السيسي يدرك أن الرجل ليس بمتحدث جيد، ولا يجيد الاسترسال أو الارتجال الطويل، ولا تسعفه جمله المتقطعة ولا يملك لباقة أو مخزوناً لغوياً ليساعده في أداء خطبه، وحتى قراءته للخطب المكتوبة ليست على مستوى جيد، لكن الرجل رغم هذا، ليس سطحياً أو جاهلاً أو أحمق، وهذا يفسره أمران؛ أولهما الطبيعة التي تعود العمل عليها في القوات المسلحة، فهو لم يكن عسكرياً مقاتلاً، ولكنه رجل مخابرات، عمله في المكاتب، ينصب على الورق والتحريات والمعلومات والخطط والألاعيب، وليس عملاً ميدانياً، والثاني التصعيد غير المستند على كفاءة لتولي المناصب القيادية.

لكن المتتبع الجيد لكلمات وخطابات السيسي وتسريباته أيضاً يرى بوضوح أن الرجل يقول عكس ما يبطن تماماً، فهو يحذر من الشيء ثم يقوم بعمله، يتعهد بأشياء ويفعل عكسها، وهذا ديدن السيسي في كل كلماته وخطاباته وأحاديثه، ولا أدل على ذلك من التسريب الشهير له في المخابرات الحربية، وقت أن كان وزيراً للدفاع عن رفح، وهو يحذر من إراقة الدماء وتهجير السكان، ثم بكل فجاجة ينفذ ما حذر منه هو بنفسه وبحذافيره، وكأنه كان يبطن تلك الخطوات ويطمئن سائله على طريقة طمأنة الأب لابنه حينما يستدعيه ليعاقبه، وكذلك حين أقسم أنه ليس لديه طمع في رئاسة مصر، ثم نجده يترشح للرئاسة، ويفوز في انتخابات مشكوك في نزاهتها، وأكثر من مرة قال ثم فعل عكس ما قال.

نعود لفترة ترشح السيسي للرئاسة بعد انقلابه العسكري عندما سئل أكثر من مرة عن برنامجه الانتخابي، وكانت إجابته "بوجود برنامج رئاسي، ولكنه لا يريد أن يعلنه لأنه أمن قومي"، بحسب كلماته، تندر كثيرون عن هذا الأمر في وقتها، وظنوا أن الرجل لا يمتلك برنامجاً رئاسياً، وأنه يقول هذا في الإعلام على سبيل الهروب من السؤال.

القرارات والقوانين التي اتخذها السيسي بعد أن سيطر على زمام السلطة في مصر، والتي حتماً تحتاج إلى ترتيب وتخطيط، تجيبنا عن هذا السؤال، أن السيسي كان يمتلك فعلاً برنامجاً رئاسياً، وأنه حرص على أن يكون سرياً؛ لأنه يهدد الأمن القومي، بحسب زعمه هو بنفسه، فالبرنامج الخفي للسيسي هو ما يطبقه الآن في الاقتصاد والسياسة والعلاقات الخارجية وغيرها، والذي كان -من المؤكد- سيلقى معارضة شديدة ورفضاً من أنصار السيسي أنفسهم إذا كان أعلنه أثناء ترشحه، فمن كان سيقبل برفع الدعم عن الكهرباء والوقود وتعويم الجنيه ورفع الأسعار بشكل جنوني وضرائب متزايدة وأخرى جديدة، كضريبة القيمة المضافة، إن أعلن لهم هذا في المحور الاقتصادي لبرنامجه؟

وعوده المتكررة بالسيطرة على الأسعار ثم تأتي سياساته لتضاعفها، ففي خطابه في إفطار الأسرة المصرية تعهد السيسي بأن الأسعار "ستنزل" خلال شهر أو شهرين، بنص كلامه، وأردف بجملة "سترفع الدولة يدها عن الأسعار ولن يكون لها تدخل"، تلك الجملة التي لم نعي مفادها إلا بعد خطابه بشهور وبعد تطبيق قرار تعويم الجنيه، فالأسعار زادت بنسب الضعف والضعفين، بلا أي تدخل من الدولة في السوق أو الأسعار أو أي برامج حمائية لمحدودي الدخل، كما تعهد سابقاً بالسيطرة على سعر الدولار مراراً ثم يفاجئ الناس بقرار تعويم الجنيه ليتضاعف سعر الدولار بدلاً من السيطرة عليه.
خطوات السيسي مرتبة وهو لا يفعل شيئاً فجائياً (مقال سابق )، ولكن يتم الترتيب لخطواته بسرية، وهذا يفسر عدم استعانته بمدنيين في إعداد برنامجه أو لإقرار سياسات حكومته، فقط يعهد لهم بالتنفيذ، كل شيء في السر ولا يتم الإعلان عنه إلا عند التنفيذ.
وللدلالة على هذا، صندوق النقد الدولي لا يمنح قروضاً إلا بعد مفاوضات طويلة مع الدولة المقترضة، لكن في حالة مصر كانت المفاوضات سرية وإلا كيف وافق الصندوق على منح مصر المتعثرة قرضاً كبيراً خلال أربعة أشهر فقط (ما بين الإعلان عن طلب مصر للقرض في يونيو/حزيران 2016 وتسلّمها أول دفعة آخر أكتوبر/تشرين الأول 2016.

في كلمة للسيسي أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة قبل نحو أكثر من عام قال وقتها: "إن اتفاقية السلام المصرية - الإسرائيلية لا بد أن توسع لتشمل دولاً عربية أخرى"، ثم بعدها بشهور وعلى حين غفلة وبدون سابق إعلان - في أبريل/نيسان الماضي - تم التنازل عن جزيرتي تيران وصنافير للسعودية، بعد التوقيع على التنازل طار محمد بن سلمان، ولي ولي العهد السعودي، من القاهرة مباشرة إلى عمان للتوقيع على البروتوكول الإضافي لاتفاقية السلام المصرية - الإسرائيلية، ثم شاهدنا لقاء متلفزاً لمكرم محمد أحمد يقول فيه إن المسؤولية الأمنية في الجزيرتين ستسلم إلى طرف ثالث، وهو إسرائيل، مما يعني دخول السعودية في اتفاقية السلام، كما قال السيسي.

أزمة الشرعية الدولية التي سعى لها السيسي بعد انقلابه تحتل محور العلاقات الخارجية من برنامجه الرئاسي أيضاً، وإلا ما يفسر توقيعه على اتفاقية عنتيبي، التي رفض مبارك التوقيع عليها من قبل، ثم توقيع الاتفاق الثلاثي (بين مصر وإثيوبيا والسودان) الذي فتح طريق التمويل والإنشاء أمام سد النهضة الإثيوبي بمجرد وصوله للسلطة، كل هذا من أجل الاعتراف الإفريقي بنظامه، ثم اتفاقات ترسيم الحدود مع قبرص واليونان التي منحت الأولى حقول غاز مصرية، والثانية جزيرة تشيوس المصرية، ثم صفقات أسلحة بمليارات الدولارات فقط من أجل شراء شرعية دولية له ولنظامه.

أخيراً السيسي ينفذ ما يحذر منه أو ينكره، فطبيعة المخابراتي ألا يفصح عما عنده، لكن السيسي يفضح نفسه عندما يحاول أن يعطي انطباعاً مغايراً لما يبطنه، وبتعدد الحالات التي يفعل فيها ما ينفيه ويحذر منه يمكن توقع خطواته من عكس كلماته.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.