المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

عبدالكريم محمد  Headshot

تصحيح مسار الثورة المصرية هل سيكون بالمصالحة مع النظام الحاكم؟!

تم النشر: تم التحديث:

ثورة ثم مسار خاطئ تلاهما انقلاب عسكري دموي أطاح بمكتسبات تلك الثورة البائسة، انقلاب بمشاركة النخب وجل الأحزاب السياسية وأغلب الكيانات الشبابية، ست سنوات في حلقة مفرغة، والنتيجة أسوأ من مرحلة ما قبل الثورة، نتج عن هذا كله أزمة ثقة عميقة بين التيارات السياسية، وصاحبها استقطاب متجذر، خصوصاً بين تيار الإسلام السياسي وبقية التيارات الأخرى (التي تطلق على نفسها تيارات ديمقراطية أو مدنية)، تبادلت الكتلتان الكبيرتان مكانهما بجوار العسكر في مرحلتين مهمتين فصلتهما الانتخابات الرئاسية في عام 2012 (مقال سابق بعنوان الثورة تعاني من الأبلوموفية).

حال مصر الآن من تراجع لانهيار، ومن مشكلة لأزمة، ومن تشديد إلى منع، ومن تضييق إلى مطاردة، ومن اعتقال إلى قتل، فمع هذا الحال من الواجب والمفروض على كل القوى والكيانات السياسية التقدم خطوات تجاه تغيير الوضع القائم، وإعادة الديمقراطية المفتقدة لمسارها الطبيعي كطوق إنقاذ للجميع وبالجميع دون إقصاء أو استبعاد أو تخوين.

لكن مع أزمة الثقة العميقة التي تستعصي على الجميع، والتي أعاقت كل محاولات التوحد والاصطفاف والمبادرات السابقة، تكون محاولات التقريب بين شركاء الثورة -فرقاء السياسة- ضرورية جداً، ويصبح احتياجنا لـ"كتلة ضامنة" تقوم بأدوار الوساطة والتقريب، وتقديم مقاربات للخروج من الوضع الراهن، فلربما تحدث الفارق وتدفع الجميع للتحرك قُدماً، وعلى الجميع التجاوب بفاعلية لأن:

الجميع أخطأ في حق الثورة والشعب، الكل طمع في السلطة بتوافق مع العسكر أو بمساعدتهم، ومع هذا لا بد أن يلتزم الجميع بتوضيح الحقائق عما جرى في الخفاء والغرف المغلقة، وما شارك فيه كل بدوره وهو ما يمهد لبناء الثقة مجدداً.

ولأن القمع يطال الجميع، ففي كل مرحلة من بعد الثورة ظنَّ الطرف المساند للعسكر أنه بمنأى عن قمعه، وخصوصاً بعد الانقلاب العسكري، حينما ظن كثيرون أن الانقلاب سوف ينكل بالإسلاميين فقط، وأنهم في وضع مختلف عنهم؛ لذا اختاروا السكوت على القمع والاعتقال والقتل والمذابح، إلى أن جاء الدور عليهم في القمع لمجرد اعتراضهم على بعض قوانين العسكر (وقفة مجلس الشورى في نوفمبر/تشرين الثاني 2013 للاعتراض على قانون التظاهر).

ولأن لا أحد يستطيع إحداث تغيير بمفرده، فتلك قاعدة أثبتتها سنوات النضال، فلا الإسلاميون (على تجذر قواعدهم وكبر حجم كياناتهم) استطاعوا إحداث تغيير بمفردهم ولا غيرهم من القوى السياسية (على موالاتهم للسلطة لسنين عدة)، استطاعت منفردة أن تشق لها طريقاً في ظل ديكتاتورية الحكم، إذن العمل المنفرد ضرب من الغباء السياسي أو يشبه النقش على الماء، والعمل المشترك مجدداً هو بداية الطريق.

ومحاولة للإبقاء على الحياة السياسية للمجتمع وللسياسيين أنفسهم، فحالة مصادرة المجال العام والتضييق وتكميم الأفواه التي تعيشها مصر الآن تجعل المحافظة على حياة حزبية عملية صعبة جداً، وربما التجمعات والمقار والكيانات لن تكون موجودة في المنظور القريب.

ولتجنب الانهيار الكبير أملاً في تدارك الانهيار التام لمصر في كل المجالات، فوضع الاحتباس الاقتصادي سيشرد ملايين ويحدث تغيراً بنيوياً كبيراً جداً في المجتمع تصعب معالجته في سنوات المستقبل القريب، فالانهيار سيقضي على الجميع بلا شك.

لكن من أين تأتي الكتلة الضامنة؟ فعلى الرغم من أن الكثير تمترس خلف أيديولوجياته ووقف عند حالة العداء والقطيعة للغير المختلف عنه، لكن لا نعدم أشخاصاً (وربما حركات وجماعات) ينتمون لثورة 25 يناير/كانون الثاني وعارضوا حكم المجلس العسكري، واستمرت معارضتهم السياسية لحكم الإخوان، وكانوا ضد الانقلاب العسكري منذ البداية، وهم (القلة الواقفة على أرضية انحيازات وطنية دون تطلعات لمصلحة شخصية أو حزبية أو مكاسب آنية).

رغم أن السعي للتقريب بين وجهات نظر الفرقاء يشبه إقناع الغول والعنقاء، لكن لا سبيل سواه، وبالنظر إلى أن العمل على مبادرات أو تقاربات من شأنه أن يلقي بصاحبه في غياهب المعتقلات مصحوباً بوابل من الاتهامات والتهم، لكن لا نعدم مخلصين مضحين يمكنهم العمل لإحداث التقارب المنشود والمحاولة مجدداً لتحقيقه، ولا بد لتلك الكتلة من الاستعداد للعمل على إحداث توافق سياسي مصحوباً بالنزاهة والحيادية في المقاربات التي تحقق فعلاً المصلحة الوطنية وفق اتفاقات مكتوبة ومعلنة.

الطريق معروف لكن يحتاج لمخلصين يمهِّدونه ويعبّدونه، وربما البداية تصلح لأن تكون بميثاق مبادئ وطني بين السياسيين وبعضهم، وميثاق شعبي متفق عليه يخاطب الناس العاديين ويضمن لهم حقوقهم الاقتصادية والاجتماعية، ويُمكن تكنوقراط (وغير حزبيين) لإدارة المرحلة القادمة (لأطول وقت ممكن) بعد إزالة النظام الظالم، ولتدلنا الأيام على ما يجب على الجميع فعله.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.