المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

عبدالكريم محمد  Headshot

كيف تكسر انقلابا فى ست ساعات

تم النشر: تم التحديث:

turkey

"لسنا دولة في أميركا اللاتينية أو في إفريقيا".. هكذا عبر عبدالله جول، الرئيس التركي السابق، عن فشل محاولة انقلاب عسكري في تركيا الليلة الماضية.

خمس ساعات فقط كافية لإفشال محاولة انقلاب، هذا ما أثبته الشعب التركي، نزلت الجماهير التركية (في غير محافظة) رَفْضاً للانقلاب العسكري واستجابةً لطلب الرئيس التركي بالنزول إلى الشوارع والميادين والمطارات.

خمس ساعات فاصلة منذ إعلان الانقلابيين بيانهم الأول حتى ظهور الرئيس التركي معلناً لشعبه فشل الانقلاب العسكري، تأرجحت الحالة بين ميل كفة الانقلابيين في البداية ثم تمكن الحكومة الديمقراطية المنتخبة من السيطرة على الأمور مجدداً..

طوال الليل كنت أتابع الأحداث (كغيري من رافضي الحكم العسكري في أي مكان، التواقين لحرية الشعوب) متنقلاً بين عدة قنوات لأشاهد تفاصيل الأحداث ومواقف الفاعلين وأي تحول للأمور لحاجة في نفسي.

الشعب التركي نزل معترضاً إلى الشارع ولم يقل إن هذا صراع على السلطة بين الجيش من جهة، وأردوغان وحزبه من جهة أخرى، لم يجلس ليفكر هل هذه ثورة أم انقلاب؟ بل سارع بالنزول رفضاً للانقلاب العسكري الذي عانت منه بلاده كثيراً.

النخب التركية وخصوصاً المعارضة منها لم ينتهزوا الفرصة، مستغلين إطاحة العسكر بأردوغان ألد خصومهم السياسيين، بل صرحت المعارضة علناً (حزب الشعب الجمهوري، الحركة القومية) أن تركيا عانت من الانقلابات، وأنهم متمسكون بالديمقراطية، المعارضة اختارت الديمقراطية (التي ربما لا تصل بهم إلى الحكم قريباً) ورفضت الانقلاب (الذي ربما كان شاركهم في الحكم أو استعان بهم).

رغم سيطرة الانقلابيين على التلفزيون الرسمي التركي، إلا أن القيادات المدنية المنتخبة سارعت بالظهور إعلامياً عبر مواقع التواصل الاجتماعي وعبر قنوات تركية مستقلة داعية الشعب إلى رفض الانقلاب العسكري، وهو ما كان له دور في استجابة الناس السريعة لمساندة الديمقراطية، حضور شعبي ورسمي تابعه الرئيس أردوغان بالنزول فعلاً إلى الشارع مع المتظاهرين، وسبقه بعض أعضاء البرلمان ورئيسه حاضرين فعلاً داخل مبنى البرلمان، رغم تعرض المبنى للقصف.

المؤسسات الأمنية (المخابرات والشرطة) اختارات الانحياز للديمقراطية وساندت الحكومة المنتخبة، واشتبكت مع بعض العناصر الانقلابية أحياناً.
الإعلام التركي المستقل لم ينحَزْ للانقلاب، تحولت كل القنوات إلى مواقع إخبارية تذيع ما يحدث في الشارع، وكانت قناة الخبر التركية المستقلة أول قناة تبث مقابلة مع الرئيس عبر التلفون وحتى قبل التأكد من كسر الانقلاب.

القيادات العسكرية التي رفضت الانقلاب، سارعت بالإعلان عن ذلك وصاحبته بالتحرك لمواجهة الانقلابيين وإعادة الأمور إلى نصابها، قيادات عسكرية كان بإمكانها مباركة الانقلاب والسيطرة على الحكم، إلا أنها انحازت للديمقراطية ورفضت الالتفاف على إرادة الشعب التركي.

وصفة بسيطة تصلح لأي بلد: سلطة مدنية متسلحة بشعبها بمساعدة نخبة سياسية استطاعت أن تكسر انقلاباً عسكرياً في خمس ساعات..

هذا الكلام ليس غرضه التوثيق رغم أنه يبدو كذلك، لكني أكتبه متذكراً انقلاب مصر في يوليو 2013 ومقارناً بين الفاعلين في إفشال انقلاب تركيا والفاعلين في تثبيت ودعم انقلاب مصر، أتذكر بعض الشعب المصري الذي رفض الاعتراف أن ما حدث حينها هو انقلاب عسكري، واصفين ما حدث بأنه صراع على السلطة بين الجيش ومرسي وجماعته، أتذكر النخب المصرية وهي ترتمي في حضن العسكر لاهثة وراء السلطة، مفاخرة بتنسيقها وترتيبها مع الجيش لإزاحة رئيس مدني منتخب، أتذكر مشاركة الشرطة المصرية في قيادة تظاهرات 30/6 ودخولهم ميدان التحرير مرفوعين على الأعناق، وهو نفس الميدان الذي شهد الثورة عليهم ونفس الميدان الذي سقط فيه العشرات برصاصهم، أتذكر الإعلام المصري (الحكومي والمستقل الموالى) وهو يحرض على رافضي الانقلاب، واصفاً إياهم بالخونة والإرهابيين، أتذكر رجال دين السلطة وهم يلوون ألسنتهم مستبيحين دماء معارضي الانقلاب، أتذكر قيادات الجيش التي انساقت خلف مهووس لا يهمه سوى تحقيق أحلام السيف والأوميغا، قيادات فضلت السلطة والمال على الحفاظ على الجيش والدولة.

وقف الشعب التركي ضد الانقلاب لتركيا لا لأردوغان.. للديمقراطية لا لحزب العدالة والتنمية، مثلما وقفنا في مصر ضد الانقلاب العسكري لمصر لا لمرسي.. للديمقراطية لا لحزب الحرية والعدالة، نجح الأتراك ولهم التهنئة وفشلنا نحن المصريين ولا عزاء لنا.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.