المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

عبدالكريم محمد  Headshot

عن الانتخابات: في الشكل والمضمون

تم النشر: تم التحديث:

(1)

في السابع عشر والثامن عشر من أكتوبر الجاري جرت المرحلة الأولى للانتخابات البرلمانية المصرية، كغيري تابعت يومي التصويت، فلم أجد حال عملية الانتخاب إلا وينطبق عليه وصف المثل البلدي الشائع "حفلة على الضيق بحضور الأهل والأقارب فقط وحتى بدون أصدقاء"، خصوصاً بعد عزوف الناخبين عن التصويت بمقاطعة سلبية تعددت أسبابها.

ولا أدل على ذلك من حديث رئيس نادي القضاة في إحدى القنوات عندما سُئل عن الحالة الانتخابية فأجاب "لا مخالفات ولا خروقات ولا ناخبين".

ندرة غالبة من المصوتين شهدتها لجان التصويت بشكل دعا البعض للتهكم: هل ما يجري انتخابات حقاً؟

وفق توصيفات النظام والمحسوبين عليه والمشاركين في الانتخابات فإنها تكون الاستحقاق الثالث من خارطة الطريق التي تلت الانقلاب العسكري في الثالث من يوليو 2013، انتخابات يعول عليها النظام الحاكم لاستكمال مؤسسات الدولة لأسباب تتعلق بالخارج أكثر منها بالداخل، دون النظر الى ما إذا كانت الانتخابات تعكس إرادة الشعب الحقيقة من عدمه.

" لا يمكن التعويل على قوى غير ديمقراطية لإجراء انتخابات ديمقراطية نزيهة"

(2)

ما بين مقاطعة سياسية ورفض شعبي (تمثل في عدم حضور الناخبين للتصويت) ودعوات النظام وإعلامه للمشاركة خرجت الانتخابات بشكل أدى بالكثيرين للتندر عليه.

تحدث كثيرون معلقين وشارحين لما جرى في الانتخابات، ولكن دعونا نتساءل: "هل تمثل هذه الانتخابات خطوة على طريق التحول الديمقراطي فعلاً من عدمه؟".

في البداية لابد التفريق بين أمرين مهمين للغاية هما: شكل الانتخابات، ومضمون الانتخابات.

بحسب الشكل: جرت العملية في صورة انتخابات تمثلت في تشكيل لجنة لإدارتها ودعوة الناخبين وتحديد مواعيد وفتح مقار للجان انتخابية مع وجود مرشحين.

أما من حيث المضمون: فجاءت الانتخابات في ظل سياق سياسي أعوج تمثل في انقسام سياسي تلا انقلاب عسكري دموي، وإجراءات أمنية ضد السياسيين من التضييق عليهم، وإجبارهم على مغادرة البلاد إلى الاعتقال وحتى القتل (داخل السجون وخارجها)، صاحبها إجراءات أخرى ضد الأحزاب السياسية من حظر وتضييق على حرية الاجتماع وممارسة الأنشطة السياسية بشكل عام، ما دعا البعض للقول إن الحياة السياسية في مصر ماتت، واختلف حتى المؤيدون للنظام (تحالف 30 يونيو) على طريقة إدارة النظام للمشهد السياسي؛ لذا خرجت الانتخابات بلا مضمون وبطريقة هزلية أو مسرحية، بحسب وصف الكثير من المتابعين.

"إن الانتخابات تكون نزيهة إذا كان كل الناخبين لهم نفس عدد الأصوات ولا تستبعد أية أحزاب سياسية - استيفان ماير".

(3)
تكتسب الانتخابات قدراً كبيراً من الأهمية في أي نظام ديمقراطي، لكنها لا تعني الكثير للمواطنين إذا رأوا أن مشاركتهم لن تقدم أو تؤخر في طريقة حكم البلاد، في المقابل تزداد نسبة المشاركة عندما تؤدي نتيجة الانتخابات إلى تغيير جوهري وملموس في التوجه المستقبلي للدولة خصوصاً في القرارات التي تمسّ المواطن وحياته اليومية بشكل مباشر.

لكن لا قيمة للانتخابات لدى نظام داس بدبابته على عدة نتائج انتخابات سابقة وصفت بأنها الأفضل في تاريخ الانتخابات المصرية، ولم يتحرك الناخب لشعوره بأن النظام لا يعمل لصالحه العام، فعلى مدار سنتين زادت الحالة الاقتصادية وطأة على عموم المصريين، فضلاً عن رفض الناخبين لكثير من المرشحين المحسوبين على نظام مبارك أو حتى محسوبين على النظام الحالي.

تظل الانتخابات غير مجدية في أنظمة الحكم الاستبدادية التي لا تتحمل أن يكون للهيئة التشريعية المنتخبة تأثير على تشكيل الحكومة أو السياسات الحكومية، حيث سبق السيسي الانتخابات بقوله إن الحكومة الحالية باقية حتى بعد تشكيل مجلس النواب، وهو أمر غير دستوري (بحسب دستور السيسي نفسه).

من ناحية أخرى فإن القوة الفعلية للهيئة المنتخبة تساعد في تحديد ما إذا كان للانتخابات معنى وتأثير حقيقي (فقد شكل اعتماد نظام فردي لأغلبية مقاعد البرلمان لا ينتح عنه ظهور حزب أو تحالف فائز ضربة قوية للهيئة المنتخبة التي تفرزها الانتخابات).
" كم مهدت الانتخابات الطريق لقيام الديكتاتوريات، وأدت إلى تفاقم الصراع والتوتر"
(4)
استقر في ضمير المجتمع الدولي فكرة أن الانتخابات لابد وأن تلبي معايير أساسية بحيث يجب أن تكون الانتخابات "شاملة، نزيهة، حرة، متكافئة، شفافة".

وتعنى شاملة أن تمنح القوانين كافة المواطنين حق التصويت، وكل الأحزاب الحق في تقديم مرشحين وتسجيل نزيه للناخبين.

ونزيهة بمعنى الاتساق وعدم التحيز (أي التطبيق غير المتحيز للقواعد والقوانين).

حرة تشير إلى فرصة الناخبين في الاشتراك في الانتخابات بدون إكراه أو قيود.

الشفافية تعنى أن تكون لها إجراءات واضحة وأن تكون نتائجها الإجمالية والفرعية منشورة.

متكافئة بحيث تتاح الفرصة للأحزاب السياسية لأن تتنافس وفق قواعد عادلة ومناخ سياسي خال من الخوف وبإدارة للانتخابات غير منحازة.

وهي أمور افتقدتها الانتخابات الأخيرة لأن الحقوق السياسية (حرية التعبير، حرية التجمع، الحرية التنظيمية) التى تعد أساسية لأي انتخابات حرة ونزيهة جرى انتهاكها بشكل متعمد وصريح، كما انتقدت الأحزاب قوانين تقسيم الدوائر ومجلس النواب، أما عن تسجيل الناخبين فهو أمر تعتبره الجهات المسؤولة أمناً قومياً، بحيث يحظر على المرشحين الاطلاع عليه، أما إعلان النتائج فهو يتم بصورة سريعة في إعلان أرقام إجمالية يشوب الكثير منها الأخطاء (فمثلاً في دائرة الدقي إجمالي عدد الأصوات التي حصل عليها جميع المرشحين يفوق عدد الأصوات الكلية التي صوتت والتي أعلنها القاضي المشرف نفسه)، أما المناخ السياسي فهو لم يوجد بالأساس.

"الأزمات الديمقراطية لا تشمل الانقلابات العسكرية فحسب، وإنما تشمل أيضاً الانتخابات المزورة والانتقاص من الحقوق - إعلان وارسو 2000"

(5)
من أكثر الأمور التي تثير المشاكل هو التكهن بنوايا الناخبين، ففي دفاع عقيم عن عزوف الناخبين عن المشاركة جاءت تصريحات إعلام النظام والموالين له بأن الناخبين لم يذهبوا للانتخابات لأنهم اكتفوا بالسيسي مشروعاً ورئيساً، وعليه نسألهم ما الطريقة الأخرى التي يمكن بها تسجيل نوايا الناخبين غير الانتخابات، وكيف لهذا أن يتم بصورة صحيحة سوى بانتخابات حرة ونزيهة.

تأتى الانتخابات بمفهومها الواسع باعتبارها أساساً لعملية سياسية تنتشر مع مرور الزمن وتقيم وفق معايير دولية مستقرة.

"الإعلانات والأعراف الدولية تؤكد دون مواربة أن الانتخابات النزيهة هي أساس الحكومة الشرعية - صامويل هانتنجتون"

ولنا حديث عن المعايير الدولية للانتخابات الحرة والنزيهة بشكل أكثر تفصيلاً وعن المراقبة في مقالات أخرى إن شاء الله..

يتبع

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.