المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

عبد الكريم البليخ Headshot

الهروب من الوطن

تم النشر: تم التحديث:

ما يلفت الانتباه وفي هذه الفترة، أن أبواب السفارات الغربية، وفي أكثر من عاصمة عربية، صارت تشبه هذه الأيام دكاكين البقّالة أيام الحرب، أو محطَّات البنزين أيام أزمة النفط!.

فالطوابير تصطف أمامها من الفجر حتى ساعة الإغلاق، كل يطلب فيزا للهروب من الوطن!. ومكاتب الهجرة في عواصم الغرب، تكاد تصبح كأبواب السفارات في عواصم العَرب.

فالعرب يبحثون اليوم عن جنسيات جديدة. جوازات سفر جديدة. يستبدلون بها القديم، خوفاً من أن يُصبح القديم مثل جواز السفر الروسي بعد سقوط القياصرة.

هذا يريد أن يصبح أميركياً، والثاني بريطانياً.. كندياً.. فرنسياً.. ألمانياً.. هولندياً.. نرويجياً.. سويدياً.. نمساوياً.. دانماركياً.. وحتى برتغالياً.

وفرحة الحصول على جنسية جديدة أصبحت تعادل فرحة الحصول على حياة جديدة، مستقبل جديد، وآفاق جديدة.

هكذا وصلنا مع الوطن، أو هكذا أوصلنا الوطن!!.

ولا مانع لدى معظم الدول العربية، فهي تعطي الحق بجوازي سفر، فأنت لبناني في لبنان، وأمريكي في ويسكونسن، ودنْفِر، وسان خوسيه، ولوس أنجليس، وأنت أردني في عمَّان، وبريطاني في مانشيستر، ونيوكاسل، وبريستول، وأنت سوري في دمشق، وكندي في كيبك.

والفرحة.. تكاد تنسي الناس ماذا تعني الغربة إذا طالت، وماذا يعني أن تكون بلا وطن.. حتى لو امتلأت حقائبك بكل جوازات سفر العالم.

وبعيداً عن السخرية التي تثير الدمع، فإن ما يحدث هو أكبر من حجم الكارثة، والغريب أننا لا نهتم لها، ونعتبر الحالة شيئاً طبيعياً، ولكنها إذا استمرت فقد نجد عدد العرب في أسلو، أو كوبنهاغن أكثر منهم في أي مدينة عربية، ونفقد ـ بالتالي ـ كل آمال وأحلام المستقبل، مع فقدان الذي يصنع المستقبل: الرجال.

أطفال الغربة.. لايعرفون العربية، بعضهم يتقن الهولندية، والآخر الفرنسية، والثالث الألمانية، والرابع السويدية، والخامس الدانماركية، وهكذا دواليك.. ولكن أحداً منهم لا يعرفُ العربية!.

يُسمونهم الجيل الثاني، أو الثالث، أو حتى الرابع. هؤلاء في خلال أعوام سيحاربون مع جيوش البلدان التي اكتسبوا جنسيتها، ولا يعرفوا عن الوطن إلا مايسمونه.. عرضاً من آبائهم وأمهاتهم. وهكذا تضيع الأوطان، وفي زمن الانهيار والهجرة القسرية!.

وهل من المجدي أن يصل بنا الحال إلى أن نخترق كل هذه الحواجز، وأن نغمض أعيننا أمام ما يجري حتى يتمكن المواطن العربي الذي صار يعاني الكثير من مؤسيات الحياة، وتأجيج مشاعره، والوقوف مطولاً أمام هذه الدكاكين التي من الصعوبة بمكان أن تمنح تأشيرتها بدون اشتراطات مسبقة، إلى ذاك المواطن الذي أصيب بخيبات أمل، وهو يحاول، وبكل ما يدخر من جهد، وما يكتنز من مبالغ مالية، من أن يضعها في خدمة البعد عن الوطن! وكل ذلك من أجل الخلاص من رمادية الحياة التي أصابته في مقتل!.

نعم، هذا حال مواطننا.. الذي لم يعد قادراً اليوم أن يميّز بين الغث والسمين. مكرهٌ أخاك لا بطل، إلى التوجه إلى أي مكان في هذا الكون الذي لم يعد يطلب سوى العيش بأمان.

الأمان، الذي افتقده في مختلف الساحات العربية، وتناهبته الأيدي الخبيثة، ولم يعد بمقدور حكامها ومشايخها حمايتها، فأصبحت مرتعاً للمرتزقة واللصوص، والمدعين الجدد الذين لم تعد تطاق معهم السبل الكفيلة بتجاوز هذا الواقع الذي حوّلوا كل ما هو جميل منه في عيون أبناء هذه الأمة إلى مزاميل خيل، ورعاية خبيثة لجماعات حصّنت كل ما كسبته من هؤلاء القوم، بذريعة الدفاع عنه، ورغم ذلك لم يشفع لهم إلا بغزوهم وسرقتهم، ونهبوا كل ما هو من حق أخوتهم وأبنائهم وفرضوا عليهم الجزية، وقتلوا ما قتلوا باسم الدين، ومن هنا لجأ العديد منهم إلى بوابات الدكاكين المغلقة، للهرب بحثاً عن الحرية والعيش بكرامة، فما هو الحل؟

الحل، بأن نفسح المجال أماهم، وإلا سيكون مصيرهم الموت، كما هو حال الكثيرين ممن لاقوا مصيرهم المحتوم، فهم يحاولون الفوز بمقعد، أياً كان مصدره، بهدف الفرار من المعاناة والخوف والموت الذي صار يترصّدهم في كل مكان..!

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.