المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

عبد الكريم البليخ Headshot

المواطنُ السوري من التطهير إلى التهجير

تم النشر: تم التحديث:

ما من شك أنّ الأوجاع التي بات يعيشها المواطن السوري، في هذه الفترة، بصورةٍ خاصة، وقبل أربع سنوات ونيّف على وجه التحقيق، من اندلاع الحرب التي اعتبرها النظام كونية، وخارج سيطرته، تنبّهت إلى اجترار الكثير من الإذلال والمعاناة والأسى الذي حلّ بالشعب السوري الأعزل الذي أصيب بطعنة في الصميم.. ومن خلال هذا الواقع المرير كيف يمكن أن يفضي همومه وأوجاعه، وما يعاني من ضنك وقلّة حيلة؟
فإلى من اختار الطريق السهل الذي صار مفروشاً بالشوك، وأكثر رماديةً من ذي قبل؟! وإلى أهلنا وأحبتنا، الذين غامروا بحياتهم وحياة أبنائهم، فلذة أكبادهم، الذين عانوا الكثير من ويلات الحرب والدمار.
إلى كل هذا وذاك، وكل من يسوق تلك الأفكار والتساؤلات، وما يشوبها من رؤية يلزمها مواقف حاسمة فيها الكثير من الجدية، والوقوف على حسابات مهمّشة، نقولها:
أين أنتم من كل ما يجري على الأرض السورية اليوم من تسابق لاقتسام الكعكة التي أضحت فتاتاً لكل من ساهم في تدنيس، وتخريب تلك الأرض اليباب، التي كانت ولا تزال هي مهد الحضارة، والحياة الأبدية التي عشنا فيها أجمل أيام العمر؛ ولا زالت تتغنى بحبها وعشقها لأبنائها الذين أحبّوها، وأنجبوا فيها زهرات يانعة من الأطفال الذين حصدهم القتل والدمار والرعب تباعاً؛ ولازال الغالبية منهم يركن، الآن، باتجاه الموت عاري الصدر ينتظر حتفه في كل لحظة؟!.
لم تمضِ أيام إلاّ وكان ما يحدث في هذا العالم الرحب الذي نسير يومياً، وبحسب رغباته، وبإسقاطاته، وبكل ما فيه من ضيق، يدعونا لأن نقف مع أنفسنا، نصارحها، ولو لمرة واحدة، وهذا ما سوف يطرح العديد من الأسئلة التي تلزمنا بالإجابة عنها، مهما حاولنا حذفها بعيداً عنا، على الرغم من أنها تصيبنا بسهامها في صميم قلوبنا، التي ذاقت مرارة الألم والفراق، والشوق والحنين إلى تلك الديار التي أنهكها أبناؤها، وباعوا كل ما فيها من صور جميلة، وراقية!
في كل مرّة يستوقفني سؤال، يلحّ بالإجابة، وهذا السؤال يتوقف عنده الكثير ممن نعرف، ومفاده: ماذا بعد موجة الخراب والدمار التي حلّت بسوريا؟! وما هو مصير المهجّرين، والنازحين؟!
بالتأكيد، هذا أنموذج يختصرُ الكثير من الأسئلة التي نسمعها يومياً، وتطرح باستمرار، ويتناقلها عامّة الناس في الداخل السوري، وهم أكثر الناس عرّضةً للمشاكل التي تصاحبهم يومياً!.
كثيرة هي التساؤلات التي بحاجة إلى مزيد من السجلات حتى نتمكن من تدوينها، وحل مشكلاتنا، نحن السوريين، الذين عانينا ما عانينا من شقاء، وواجهنا من آلام؟
نعم، هي آلام، وآلام مريرة، ويراد لها حلول تُصاغ بقالب يمكن معها أن نعيد لأهلنا جزءاً من كرامتهم المهدورة، التي، وللأسف، لم تعد تهم الكثيرين ممن صاروا يحتالون على الواقع الذي يعيشون أيامه بكل سخط، وأنفاس ضيقة!.
من خلال تلك المعطيات والأحداث والتطورات، والمعالجات التي يمكن أن تحمل، ولو جزءاً بسيطاً من المعاناة التي استوطنت في أجسادنا، وأجهدت عقولنا، وتحمّلناها على مضض، ونبذتها أعرافنا، وكل ما يمكن أن يهيئ لها الطريق في سبيل أن نعيش حياة فيها الكثير من المصداقية، والحب، والاحترام مع بعضنا البعض، يمكن أن نقول أننا لا زلنا نبحث عن الخروج من عنق الزجاجة للعيش بكرامة، وباستحياء مما حل بنا، وهذا ما يجعلنا تواقين أكثر فأكثر إلى الحب، والاحترام، وهذا أقلّها، للوقوف على ما يجري من ترّهات، على الأرض، وفجوة ضيّقة نأمل أن تُسد حتى يتمكن المواطن السوري، الذي عانى ما عانى، من فقر مدقع وإفلاس حقيقي، من أن يستجيب، ويعيش بأمان فيما حوله من أحداث مؤسية، أصابته في مقتل!
وبعد هذا ألا يحق لنا أن نتساءل: أليس من المحزن، هو أن يتحوّل وضع أهلنا في سورية إلى ما هو عليه اليوم، من إذﻻل وقتل وتدمير، إلى تطهير وحرمان وتهجير، بعد أن كان العالم برمته، يشهد على أن المواطن السوري، وحتى السذّج منهم، يتفوق بداهةً على كل من له علاقة بأي مجرم تطاول على أهلنا هناك، أو ادعى الحفاظ على هويتها، ومن بين هؤلاء الذي يتغنّون بالأصالة والعفّة والشيمة العربية، وحتى ممن يفاخرون بذلك الثوب العنّابي المخمور الذي لا يمكن أن يخضع لأي لون من ألوان الصباغ التي لا يمكن أن تتغير ألوانه، مع مرور الوقت، مهما أصابها من "عفونة" أو تآكل؟!!.
وأليس من الأجدى، هو أن نقف، وبكل احترام، إلى جانب كل مواطن سوري ظل متشبثاً بأرضه، صابراً، تحمّل، وعلى مضض، أعتى صنوف العذاب والفاقة، لاعناً الحال التي يعيشها، لأنها جَلبت عليه المواجع، وأضرمت في وجدانه وكيانه نار الشوق للكثير من أبنائه الذين هاجروا، وولّوا هاربين إلى بلاد الاغتراب، بسبب الضنك والحاجة، والخراب والدمار الذي حل بمدنهم وقراهم، والألم الذي رسم لهم الطريق. طريق الهجرة والبعد الذي أوجعهم، وألزمهم بكل هذه المحطّات التي أدمت قلوبهم، وأحبطت رغباتهم وأحلامهم، وألّبت مواجعهم، وأحالت حياتهم الآمنة إلى سوداوية بغيضة!
وأليس من الأجدى هو أن نزيل عن كاهل أهلنا، حيث يقيمون، الكثير من ألوان الحزن، التي أضفت على حياتهم فيضاً من اللعنات على كل من حوّل كل بيت سوري إلى مزيد من الأحزان والمآسي، وألبس أهلها ثياب الفراق والموت الزؤام، ولم يعد بالإمكان العودة بها إلى ما كانت عليه، حينما تحّول كل ما هو جميل في حياة أهلها إلى مقت، وألم وحرمان وأوجاع مؤلمة!!.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.