المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

عبد الكريم البليخ Headshot

سوريا وثوب التهجير

تم النشر: تم التحديث:

بكل بساطة أصبحنا مهجّرين بعيدين عن الأهل والأحبّة الذين يعيشون مرارة الإقامة الجبرية في الوطن، وصاروا في غفلة عن أبنائهم وأحفادهم، وعن رائحة كل ما يمكن أن يثير اهتمامهم، سواء أكان ذلك عبر الشوق والحب والكينونة التي بدت، وكما هو واضح، ترحل بعيداً وتحط حيث لا وطن ولا حياة، على الرغم من مفرحاتها المتوافرة في بلاد الاغتراب، وبكثرة، فهي لا تساوي شيئاً حيال الواقع المؤسف الذي يواكب حاضر المهجّرين السوريين الذين فقدوا أغلى ما يملكون، وما يمكن أن يكون ذا مكانة في قلوبهم مهما توافرت لهم من راحة وسعادة، فستظل يلزمها الإحساس بالوطن الذي هو الحياة والأمل!

الوطن الذي فقدنا ترابَه وأرضَه، وبريقَه وكلَّ ما هو جميل في ذاكرتنا، نحن السوريين، وإن أصابها العطب بعد ما أصابنا من إذلال وتطهير إلى ما نحن عليه من وهم كبير، وأحجية أريد منها أن نصبح في عداد الأموات، نغتسل بأحلام الوطن الذي يعيش في قلوبنا.

والسؤال عن الوطن الذي اغتصب، كما هو حال المرأة التي تنازعها رجال واغتصبوها عنوةً، ماذا عساها أن تفعل؟ وهذا ما يحفر في وجدانها، وفي ذاكرتها وعواطفها النبيلة الكراهية والسخط والحقد الدفين لمجرد تذكرها واقعة الاغتصاب وساعة حدوثه!

يسأل أحدهم، ممن نلتقيهم، وهل من الممكن أن نقارن ما يجري على أرض الوطن، بما تصورونه اليوم، أنتم يا معشر حملة الرسالة، روّاد الفكر والقلم، من أفكار وآراء يمكن أن تعكس الصورة الحقيقية لما يجري من صور عديدة لا يمكن بحال إيجازها؟

لا شك أنه تشبيه سخيف، ولكن من الممكن أن يكون هناك وجه تقارب فيما يحدث وما زال، والماكينة التي تطحن كل ما يمكن أن يجعل منها أداة لهرس كل ما يقع تحت حلزونها بعيداً في ذلك عن أي عواطف، أو مشاعر وأحاسيس.

وهذا ما نقرأه اليوم في دفاتر الوطن، وما أصاب أهله من دمار وحرمان وصور أليمة لم يعد بمقدور من يحمل راية القلم تصويرها؛ لأنها صارت همّاً كبيراً لا يمكن أن ينجح في الوصول إلى حل، أو إعادة النظر فيه مهما حاولنا إسقاط ذلك على ما يجري على الأرض السورية، ومدنها وقراها، وما خلفته آلة الدمار من خراب من الصعب ترميمه أو إعادته إلى ما كان عليه قبل انطلاق الشرارة التي أضرمت النار في كل مكان.

فأي وطن، وأي مواطن يمكنه أن يرثي حال ما يجري اليوم، بعد أن دق الخراب في كيان المدن، وأهلك النسل والحرث؟!

وما يمكن أن نقوله، يستدعي منا أن نقف، وبصدق مع أنفسنا، مستعرضين ألوان الصور التي أوغلت جرحاً عميقاً في الذاكرة، وها هي النتائج نستخلصها تباعاً، تماشياً مع ما يجري على الأرض التي كانت ترضي أهلها، وتغنيهم عن جيرانهم، وترضيهم.

سوريا بلد الأصالة والنهر والأرض، إنها عشق أبدي يستظل بظله أهلها الطيبين الذين عمّروها بسواعدهم الفتية، أشادوا الأبنية، وبنوا الجسور، ومدوا الطرق، وأقاموا المصانع، وطوّروا الزراعة، وبعقولهم النيّرة أضاءوا الطرق المظلمة.

إنه الشعب السوري الذي هجّر من أرضه وأذاقوه شتى أنواع العذاب، إنّه الشعب المجتهد، الغيور المتابع، الشعب الذي يعرفُ كيف يصطاد السمكة.

المواطن السوري، الأشم.. صاحب العزيمة والوجدان والحكمة، الشجاع والحكيم في تصرفاته، وفي عزيمته، وفي روحه الصادقة البريئة المتواضعة، وفي عاطفته، وفي خدماته التي يشهد عليه كل مَن عرفه أو سمع به وعاشره.

وهذا هو حظّه، وللأسف، من قيادته التي ألبسته ثوب التهجير والبعد عن لحافه ووسادته!

ما العمل؟ فقد هرب من القتل والدمار متدثراً ببعض ما بقي عسى أن ترد عنه برد الشتاء القارس الذي لا يرحم، والتزم الصمت هارباً من واقع سيئ لا يمكن له أن يعيد له الأمل، بل إنه ما زال يشكل عنواناً عريضاً لبكائية لا يمكن لها أن تغفل ذاكرته عن تذكرها، أو تطبق جفونه عن تساقط الدموع ألماً لما حدث!


ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.