المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

عبدالقادر محمد علي  Headshot

قضية اللاجئين السوريين بين العرب والغرب..محاولة للإنصاف

تم النشر: تم التحديث:

حدثان فصلت بينهما أيام أثارا كثيراً من الشد والجذب، وأعادا إلى الواجهة من جديد الأحكام المسبقة التي لا ترتبط بالحدث، بقدر ارتباطها بتجارب تاريخية متراكمة تنفجر آثارها بين الحين والآخر.
بين ما قيل عن قرار ألمانيا استقبالها لأعداد كبيرة من اللاجئين وإلغاء التزامها باتفاقية دبلن، والصور التي تلت ذلك مرافقة رحلة القطار المشهور من المجر مروراً بالنمسا إلى ألمانيا، وبين صورة الطفل الغريق آلان شنو، توزعت الأصداء حد الاستقطاب الحاد، كما تطايرت الاتهامات لتعبر أولاً ومبدئياً عن أمرين أساسيين: أولهما قدرة الصورة الهائلة على التأثير في الرأي العام، وثانيهما مدى المرارة المختزنة من تخاذل ما يسمى المجتمع الدولي عن حل القضية السورية التي تنزف بشراً.
والمتأمل لأصداء الحدثين، وهو ما يهمنا هنا، يجد أنها كانت محكومة بمنطق رد الفعل الذي يعد تجلياً لحالة ثوران مرتبط بالعاطفة، تعطل قدرته على استصدار الحكم الموضوعي الأقرب إلى الإنصاف.
ويمكننا تصنيف هذه الأصداء في قسمين أساسيين: أولهما التي انصبت على العرب وعالمهم، وثانيهما ما تناول الغرب عموماً والغربيين.
في القسم الأول تجد في الأعم الأغلب ما شئت من نقد وغمز ولمز واستنقاص وشتائم، ودعوة العرب وحكوماتهم إلى فتح الحدود وتبني قضية اللاجئين، والعمل على حل الأزمة السورية المستعصية، وكان موضع الاتهام في كل هذا الدول الخليجية أولاً.
وفي رأيي أن هذا الموقف العاطفي الحاد لا يخلو من تبخيس، ولعل الميزان السليم للحكم يقتضينا أن نميز هنا بين الشعوب والحكومات، نتيجة ما هو معروف من أن حكومات العالم العربي وأنظمته لا تمثل الرأي العام للشعوب، وأن هناك هوة تختلف من بلد لآخر تفصل بين الطرفين.
وفيما يخص العرب وتعاطفهم مع الثورة السورية والسوريين، فإن من الجحود الشديد أن نصفهم بما رماهم به التيار الغالب من ردود الأفعال؛ فالعرب أول من تعاطف مع الثورة، وخرجوا في تظاهرات ومسيرات من أجل السوريين وأقاموا مهرجانات تبرع وما يزالون، ومن تابع نشاط الجمعيات الخيرية في دعم اللاجئين لوجد مبالغ هائلة تنصب من تبرعات المواطنين في صناديق تعمل على تشكيل مظلة حماية بقدر وسعها للمشردين السوريين في أرض الله الواسعة، وإن كان من تجاوزات، ولا سيما في لبنان لأسباب معروفة، فإنها لا تخرج الحكم عن أصله من الاحتضان والتعاطف الشعبي الكبير مع القضية السورية.
أما الحكومات فهي تستحق قدراً كبيراً من النقد، ولربما الاتهام، لتخبط مواقفها السياسية من الثورة السورية، ولارتباط تحركاتها بتوازنات وإرادات خارجية أعجزتها عن المساهمة الفاعلة لا في إيجاد الحل العادل في سوريا فقط، بل في عموم قضايا المنطقة. ورغم أن تلك الدول كانت من أوائل من قاطع نظام الأسد، وعمل على مساعدة الثورة السورية بشقيها السياسي والعسكري، غير أنها كانت قادرة فيما يخص موضوع اللاجئين على اتخاذ إجراءات أكثر فاعلية من خلال استيعاب قدر منهم، ولا سيما أن جزءاً كبيراً من هؤلاء اللاجئين هم أصحاب كفاءات وحرفيون مهرة ودول الخليج لا تنقطع حاجتها لأمثالهم.
والمفارقة أن قابل هذا العنفوان الجارف الموحد تقريباً في التناول السلبي للعالم العربي، تحولُ العالم الغربي إلى موضع نزاع شديد بين مديح وذم خالصين للغرب ككل. ولعل هذين الموقفين الحديين صادر أحدهما عن عقدة الخواجة التي تميل إلى تبييض صفحة الغرب والإغضاء عن كل نقائصه، وتصدر في الطرف الآخر عن أحكام مسبقة لا ترتبط بالقضية السورية بقدر ارتباطها بالتجربة التاريخية مع الغرب.
وأعتقد أن الإنصاف يقتضينا كما في المقام الأول التمييز بين الشعوب وحكامها هنا أيضاً، لا للسبب المذكور سابقاً؛ ولكن لأن الشعوب في الغرب مغيبة بقدر كبير عن حقائق الأمور في منطقتنا، وهو ما لا يسعنا الزعم به في ما يخص الحكومات.
أعتقد أن التعاطف مع الضعيف والمظلوم جزء من المشاعر الإنسانية التي هي قسمة عادلة بين البشر جميعهم، ولذا فما شهدناه من ردود أفعال شعبية أوروبية، وهي لا تقارن بالمناسبة بردود أفعال العرب، كانت تعبيراً عن تسرب جزء من الصورة الحقيقية لمظلومية السوريين للإعلام الغربي، جزء بسيط، ولو وصلت الصورة بكل أبعادها فلربما كان الحال مختلفاً.
ولعل من نافلة القول هنا إننا فاشلون في إيصال صوتنا وصورتنا وحقيقة قضايانا إلى خارج الحدود الجغرافية للعالم العربي والإسلامي، وهو ما ينسحب على القضية السورية وانعدام التفاعل الشعبي معها في الغرب، وهي نموذج جديد يوضع في "فاترينة" خيباتنا الإعلامية بجانب عجزنا عن تصحيح صورة الإسلام المشوهة، والقضية الفلسطينية المشوشة أبجدياتها في الذهن الغربي، في شعوب بعيدة عن عالمنا وقضايانا جغرافياً ووجدانياً، فليس لها من نافذة للوصول إلى إلينا إلا عبر الإعلام، وقضيتنا مع الإعلام الغربي ومن يتحكم به وبأهدافه لا تحتاج أدنى شرح، فلنحاول إصلاح منظومتنا الإعلامية ولنعمل على إيصال صوتنا وصورتنا لكي نتمكن من الحكم بشكل صحيح على التعاطف الشعبي الغربي معنا.
أما الحكومات الغربية فأرى ابتداء أنه ليس من الإنصاف الحديث عنها ككتلة واحدة، فعند توجيه أصابع الاتهام للحكومات لا بد أن نميز بين الدول المؤثرة وبالدرة الأولى الولايات المتحدة ثم وبريطانيا وفرنسا وألمانيا مثلاً، وبين دول لم تُر لها مشاركة فعالة فيما يخص قضايا السياسة الدولية كدول اسكندنافيا وإيرلندا وأسكوتلندا وسواها، فهذه الأخيرة تُلام ولكن لا يمكننا وضعها في درجة واحدة مع الأولى التي ترتبط ارتباطاً حقيقياً وجذرياً بالقضية السورية، بل يمكن القول بكل أريحية أنها من تؤخر الوصول إلى الحل في سورية، وأنها من تتآمر لإعادة إنتاج نظام الأسد بشكل أو بآخر.
وفيما يخص قضية اللاجئين فالعار يطال الجميع، والحكومات الغربية بما تتمتع به من إمكانات هائلة قادرة على تحسين ظروف حياة اللاجئين على الأقل، وهي قادرة أيضاً من خلال الأمم المتحدة ووكالاتها مثلاً على إعداد برامج تستوعب جزءاً منهم في أراضيها، ما دامت هذه الحكومات غير قادرة أو غير راغبة في إنضاج حل سياسي يوازي التضحيات الهائلة التي قدمها الشعب السوري، ويعبر عن الشعارات الأساسية التي هتف بها السوريون في بدء ثورتهم، هذا الحل الذي يضمن إيقاف نزيف اللاجئين من جهة وإعداد الأرضية الحقيقية لعودة المهاجرين واللاجئين إلى موطنهم.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.