المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

عبدالحميد أحمد Headshot

شذرات من سيرة الشيخ يس عمر الإمام "7"

تم النشر: تم التحديث:

2016-11-02-1478083220-1217236-4.jpg

مؤتمر الخرطوم بحري

شهد مفتتح عام (1969) صراعاً آخر على جبهة الحركة الداخلية، قاده أحد وجوه التنظيم السابقين بالانتماء إلى حركة الإخوان المسلمين، جاء قادماً من أوروبا يرجو قطع الطريق على الترابي كي لا يصل إلى موقع الأمين العام في التنظيم وجبهة الميثاق.

وخاض جعفر شيخ إدريس، الذي قطع دراسته في بريطانيا عائداً ليشهد ذلك المؤتمر، صراعاً شديداً حتى يحول دون تقديم الترابي للقيادة، وقد ناصره في معركته تلك مكتبُ الطلاب في جامعة الخرطوم الذي كان ينشط خلاله، حاج نور، وجعفر ميرغني، وعلي عثمان محمد طه، والزبير بشير. وقد كان مرشح هذه المجموعة هو الصادق عبد الله عبد الماجد لولا أنه وقع تحت ضغط عنيف مارسه عليه محمد صادق الكاروري، اضطر من بعده إلى سحب ترشحه، ما اضطر المجموعة إلى أن ترشح جعفر شيخ إدريس ذاته ليحصل فقط على 3 أصوات مقابل الترابي الذي حصد كامل أصوات المؤتمرين المتبقية لتحسم مداولات ذلك المؤتمر الصاخب، بضاحية بحري، المعركة لصالح تقديم الترابي أميناً عاماً للتنظيم.

انقلاب مايو/أيار العسكري

استقبل غالب أعضاء المكتب، القائد لجبهة الميثاق، اليوم الثاني لانقلاب (25 مايو 1969) في سجن كوبر على الشاطئ الشمالي للنيل الأزرق المقابل للعاصمة الخرطوم، كما استقبلوا اليوم الأخير لحكم النميري في (6 أبريل/نيسان 1985م) في السجن، ولكن هذه المرة بمدينة الأُبيِّض التي تتوسط السودان. وإذ طال الاعتقال الأول ليربو على الـ3 أعوام الأولى لحكم العقيد جعفر نميري، فقد تكررت الاعتقالات من بعد "ثورة شعبان" التي أثارتها عضوية الحركة في أغسطس/آب من عام (1973)، ثم حُميت من بعد ردة المصالحة مرة ثالثة.

في كل تلك النكبات، كان يس عمر الإمام من أوائل من يذهبون في قيادة الحركة إلى السجون والمعتقلات المايوية، وإذا كان الأمين العام للحركة الإسلامية، الشيخ حسن الترابي، قد استقر رأيه من بعد ثورة أكتوبر/تشرين الأول 1964 على أن الجيش السوداني قد زهد السياسة، فإن وجود يس عمر برفقته داخل معتقل كوبر لأول العهد المايوي كان عاملاً مهماً في إعادة ترتيب أفكار الأمين العام، لا سيما تحت إلحاح يس عمر الإمام على ضرورة تأسيس خلايا للحركة الإسلامية داخل التشكيلات والوحدات العسكرية للجيش والتهيؤ للتغيير عبر تلك الوسائل، مستشهداً ومعضداً رؤيته بحوادث الانقلابات العسكرية التي لم تكن تهدأ في العالم الثالث.

كذلك، ظل يس عمر يحمل أثراً من سابق صلته القديمة بالحزب الشيوعي السوداني، لم يحرره التزامه في صف الحركة الإسلامية من رؤى وأفكار عميقة متعلقة بالمؤسسة العسكرية، أثراً يلازمه منذئذٍ، فكان دائم الدفع من داخل الأطر القائدة للتنظيم الإسلامي باتجاه إنشاء مكاتب خاصة داخل الجيش يستقطب إليها من ضباطه وجنوده عناصر متوالية مع صف الحركة الإسلامية يُعدّون لساعة يدفعون عنها استهدافاً طارئاً أو ريباً طائشاً، أو أداة ضبط وردع تنفذ خيارات الحركة في التغيير العسكري. وإذ ظلت الفكرة مرفوضة من قبل الغالبية القائدة في التنظيم، فقد مضى يس عمر يسخْر من مثاليتهم البالغة، لا يجد فيهم إلا مجموعة من الأكاديميين لم تصقلهم بعدُ تجربةٌ سياسيةٌ عاصفةٌ وتعضهم بأنياب أغوال العسكر.

إذاً، فقد نقل يس عمر معركته تلك من داخل الأطر التنظيمية إلى ساحة الإعلام المفتوح والرأي العام، فمضى، نحو خواتيم الستينات، ينشر مقالاً صحفياً من خلال صحيفة "الميثاق الإسلامي" التي يشغل رئاسة تحريرها، ينبّه من خلاله للحركة المحتدمة النشاط داخل صفوف القوات المسلحة من أجل صف وتنظيم قوى العسكريين والضباط من الشيوعيين واليساريين القوميين يتهيؤون للانقضاض على السلطة والاستيلاء على الحكم في السودان، وبلغ يس عمر في مقاله ذلك مبلغاً بعيداً من الصراحة وهو يفصّل تلك التدابير ويسند قيادة جهدها وتنسيقها إلى ضابط بعينه يفضح اسمه ورتبته (العقيد جعفر محمد نميري) فلم يكن أمام العقيد النميري ساعتئذٍ إلا أن يتوجه إلى مقاضاة صحيفة "الميثاق الإسلامي" ورئيس تحريرها.

إذاً، فقد صدقت من بعدُ تحذيراتُ يس عمر وانقض النميري ضمن ضباط الحزب الشيوعي والقوميين العرب يستولون على السلطة، ليحمل يس عمر مباشرة من ثم معتقلاً إلى سجون مايو برفقة الشيخ الترابي من قبل أن يعتقل رئيس الحكومة والمسؤول السياسي الأول في البلاد.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.