المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

عبدالحميد أحمد Headshot

كيف بدَّد خليفة الترابي إرث الشيخ في السياسة والحكم؟

تم النشر: تم التحديث:

2017-01-16-1484571775-4745318-140996.jpg

يقول أبو الطيب:

أرَادَتْ كِلابٌ أنْ تَفُوزَ بدَوْلَةٍ ** لمن ترَكتْ رَعْي الشُّوَيهاتِ وَالإبْلِ
أبَى رَبُّها أنْ يترُكَ الوَحشَ وَحْدَها ** وَأن يُؤمِنَ الضّبَّ الخبيثَ من الأكلِ
فَوَلّتْ تُريغُ الغَيثَ والغَيْثَ خَلّفَتْ ** وَتَطلُبُ ما قَد كانَ في اليَدِ بِالرِّجْلِ

مدينة مروي شمالي السودان- أبريل/نيسان /2010، الحملة الانتخابية لمرشح المؤتمر الشعبي لمنصب والي الولاية الشمالية تمضي على قدم وساق، كان الخطاب يقوم كله على فضح فساد البشير وقيادات حكومته وحزبه، سارت الحملة تجري بها الريح رخاء، ويتعاظم كسبها في كل يوم حتى هبط المدينة الشيخ إبراهيم محمد السنوسي، كان جهاز أمن البشير قد حشد السوقة والدهماء يحاصر بهم ندوات ومنابر مرشح الشعبي،

وفق خطة تقوم على التشويش، لا تسمعوا لهذا الحديث والغوا فيه لعلكم تغلبون، كانت السوقة، ما أن يقوم خطيب تهتف "سير سير يا البشير" طوال متابعتي لسير الحملة، فإن متحدثاً وحيداً وقع ضحية استفزازهم كان هو "إبراهيم السنوسي"، الذي استشاط غضباً أفقده صوابه، فبدا حديثه ضرباً من الهذيان حين مضى يجاري سقط هتافاتهم، فتحداهم بحرارة صداقته وأواصر قرباه المتصلة متينةً بـ"عمر البشير"، لا ينقطع حبلها مبسوطاً منه ما اتسع، ويباهي كيف أنه لا يزال يغشى مجالسه وينعم بأنسهِ، كونه أحد الذين أشرفوا على وصوله إلى السلطة، واختياره قائداً للانقلاب وأنه وأنه، كان حديثه ينقض ما تم تأسيسه من خطاب، على مدى أيام، عروةً عروةً، لولا أن تداركه الأخ ناجي عبد الله، المرشح بالشمالية؛

ليعتلي المنبر ويعيد دفة الخطاب إلى وجهته ومجراه، لكن أثراً من كلمات الرجل ظلت تصحب الحملة نحو أقاصي الشمال إلى آخر يوم، تساؤلات تطرح دائماً بغية التشويش الذي أمده خطاب السنوسي في مروي بمدد وافر من الريب والشك "ألم تكونوا جزءاً من هذا النظام وأنتم من حملتم قائده إلى القصر ليلة الانقلاب المشؤوم؟ ألستم من تقع عليه مسؤولية ما آلت إليه الأوضاع السياسية؟".

لقد كان الشيخ الترابي شديد الإيمان بحرية المجتمع، على العكس من تلامذته ورفاقه في التنظيم، الذين لم يكونوا يؤمنون أبداً بغير السلطة الظاهرة والدولة القاهرة، وقد أثبتت وقائع التاريخ القريب أن إبراهيم السنوسي كان في قلب المعسكر المناوئ لأطروحة الأمين العام، المتمثلة في "حرية التنظيم والتوالي السياسي"، منذ أواسط عقد التسعينات، مهما أكد الشيخ الترابي أن الإسلام أسَّسّ أصل الإيمان على الحرية والمشيئة المطلقة، لكنه السنوسي الذي كان يعارض تلك الأطروحة لأول مرة، سرعان ما انحاز إلى صف الشيخ الترابي ساعة المفاصلة.

وإذ لم يقدم الرجل مراجعات جهيرة لموقفه ذلك، فإن دوافعه في الانحياز للمؤتمر الشعبي ظلت مبهمة، لا تغادر احتمالات الميل العاطفي لجانب الشيخ الترابي، لكن تلك النزعة الجانحة نحو الضبط والتقييد سرعان ما استيقظت في نفس الرجل قويةً، ولما تمضي أيام على رحيل الشيخ الجليل فسرعان ما قام بكتابة مذكرة، وجّهها لقناة الجزيرة، يطلب فيها حجب شهادة الشيخ الترابي على العصر، متناسياً أن الشفافية ظلت مبدأً أعلى ضمن حزمة قيمٍ ومبادئ نشأ عليها المؤتمر الشعبي، حقاً لا تنظيراً فارغاً أو شعارات محلقة في السمادير.

كما أن بسط الحريات عامة وحرية التعبير خاصة كانت شعاراً مقدماً جهيراً عالي النبرة في كل أدبيات المؤتمر وأوراقه وخطاباته السياسية، لكنها اليوم تدابير تكاد تحجر حتى على صوت الشيخ وشهادته؛ بل إن إبراهيم السنوسي قطع خلال استضافته إفطاراً رمضانياً نظمه شباب وطلاب موالون لسلطة البشير: "إنه لا فوارق بين الحزبين -يقصد المؤتمر الشعبي وحزب المؤتمر الوطني الحاكم- وليس هناك فرق بالنسبة لي بين (شعبي) و(وطني) وهي فوارق وهمية.."، قبل أن يحض شباب الإسلاميين "بأن لا يسمحوا بزوال دولة الإنقاذ الحاكمة في السودان والتصدي لمحاولات إسقاطها وإبعادها وإبعاد الإسلام، وهو يقول: "هم يريدون في الأصل إبعاد الإسلام وإدخال العلمانية في الدولة".

كانت تلك كلها نذراً تشي بالانقلاب الذي طرأ على ساحة المؤتمر، ودلائل تشير يوماً بعد يوم لحقيقة أن المؤتمر الشعبي قد تم اختطافه بالتمام من قبل مجموعة ظلت تداعبها أحلام العودة إلى كراسي السلطة، وكان الحوار فرصة لأن يتداعوا إلى ساحة الشعبي، كما تتداعى الأكلة إلى قصعتها، فأحكمت الدائرة حول الأمين العام المكلف تصد أي طلب بعقد المؤتمر العام، وصولاً إلى غايتهم التي لم يكن اجتماع الهيئة القيادية الذي انعقد في الثاني عشر من يناير/كانون الثاني إلا إخراجاً صورياً لها، وقد كان العزم معقوداً أن تتم المشاركة باسم المؤتمر الشعبي في كافة مستويات الحكومة القادمة،

والحق أن الولاء لسلطة الإنقاذ الغاشمة قد تبدل على مدى سنوات حكمها، وتنقل بين أطياف من المكونات حتى انتهى اليوم لأن يكون أكبر تجمع للانتهازيين والسلطويين الذين لا يستحي أحدهم أن يجاهر بالقول إنه "مع هذا القصر ولو كان بداخله غوردن باشا".

إذاً فقد استدار الزمان كهيئته الأولى، وانتهت مفاصلة الإسلاميين للسلطة في الخرطوم بذات البيان الذي خرج ممهوراً بتوقيع إبراهيم محمد السنوسي، الأمين العام المكلف للمؤتمر الشعبي: "أصدرت الهيئة القيادية للمؤتمر الشعبي في اجتماعها مساء الخميس 14 ربيع الثاني 1438 الموافق 12 يناير 2017 قراراً فحواه المشاركة في حكومة الوفاق الوطني في مستوياتها كافة، بعد اتخاذ الإجراءات اللازمة لإجازة التعديلات الدستورية المتوافق عليها، وخصوصاً التي تتعلق بالحريات".

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.