المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

عبدالحميد أحمد Headshot

الزبير باشا ود رحمة.. طالبُ مُلكٍ طموح أم تاجرٌ نخّاس..؟؟

تم النشر: تم التحديث:

2017-12-27-1514375052-5143890-Zubair.jpg

إثر انقلاب موقف اللورد غوردن من العداء المطلق إلى حالة التعاطف الشديد مع الزبير باشا، دخل الرجل إلى دائرة اهتمام الصحافة البريطانية التي سعت جاهدة لتقويض اقتراح الحاكم العام الجديد الذي جاء يحمل رؤية لا تجد مناصاً في سبيل إتمام مهمة إجلاء الحاميات والفرق المصرية في السودان المتقهقرة في وجه الثورة المهدية، من الاستعانة برجل كالزبير باشا الذي بدا واضحاً أنه نال ثقة غردون باشا باعتباره زعيماً وقائداً سودانياً قادراً على إدارة حكومة السودان والقضاء على الثورة المهدية.

عارضت الحكومة البريطانية منذ الوهلة الأولى مقترح غوردن باستخدام الزبير وقد علق ذلك الموقف السياسي الإنكليزي الأشهر ونستون تشرشل قائلاً: "لقد كان رفض السماح بتعيين الزبير باشا بمثابة التسليم بأن شؤون السودان كلها هي بالمقام الأول تمس شرف إنكلترا.."، ومن ثم فقد أوعزت الحكومة البريطانية إلى الصحف وجمعيات مقاومة تجارة الرقيق بمهاجمة فكرة تعيين الزبير باشا حاكماً على السودان، فمضت تلك الصحف تنسج الأساطير وتخلق رأياً عاماً وسط الجماهير لا يرى في الزبير باشا سوى أنه تاجر رقيق ونخّاس استثنائي هو الأخطر والأشهر في إفريقيا!

ولعل من غرائب تلك الصحافة في ذلك الحين أنها وإن تسربلت بدعاية العطف على الإنسان الإفريقي المقهور، إلا أنها في ذات الوقت رفعت شأن المغامر الويلزي (هنري مورتن استانلي) الذي تم استئجاره للبحث عن العالم والمستكشف الشهير ديفيد ليفينغستون، الذي وصل إلى بحيرة تنجانيقا وسط مجاهل إفريقيا قبل أن يعثر عليه استانلي هنالك ويفشل في إقناعه بالعودة إلى بريطانيا.

لقد قدمت الصحافة البريطانية والأوروبية استانلي على أنه بطل بريطاني، وروجت لذلك لمدة قرن من الزمان قبل أن تكشف الدراسات التاريخية الحديثة كذبه وتلفيقه كثيراً من الأحداث، وتفضح تعامله الوحشي ضد الأفارقة الذين أحدث فيهم مجازر ونكبات فظيعة تكشفت وقائعها تباعاً.

أخيراً خضعت الحكومة البريطانية لرأي عام نشرته الصحافة ضد الزبير باشا، بل مضى أحد نواب المعارضة يلقي خطبة عصماء في مجلس العموم البريطاني تحدث فيها عن السمعة التي تصيب بريطانيا في الصميم فيما لو أقدمت على دعم واستخدام الزبير باشا في السودان!

لقد ظلت تهمة الاتجار في الرقيق تهمة سياسية بالمقام الأول يدمغ بها الزبير باشا كلما أرادت الإدارات المختلفة تحقيق أغراضها التوسعية في المنطقة من بعد أن مضت تصور الزبير ود رحمة على أنه عمدة تجار الرقيق هناك.

تحول الزبير من بعد ما انفتحت عليه أبواب الجاه وسعة الرزق في التجارة الشرعية، تحول إلى طالب ملك لا تحد طموحه حدود، وقد توافر له جيش قوي وافر العدد والعتاد مكنه من حسم كل المواجهات التي فرضها عليه ملوك المنطقة التي كان يتحرك خلالها من بلاد (النيام نيام) و(قولو) إلى سلطنة (تكمة)، تلك المناطق التي خاض في كل منها حرباً ضروساً خرج منها منتصراً.

ويذكر التاريخ أن كبار قواد الزبير كانوا من (الزنج) وكان نائبه والرجل الثاني في دولته رابح، الذي ظن كثيرون أنه ابنه لشدة ما قرَّبه إليه، فسموه (رابح الزبير).. وقد كان رجلاً زنجياً.

وإذ بدأ الزبير يؤسس دعائم ملكه بتلك البقاع فقد أزعج ذلك حكمدار الخرطوم ومن خلفه خديوي مصر فسعى جاهداً للقضاء على المارد الذي يتمدد عبر منطقة بحر الغزال، إنما لم يكن الزبير ود رحمة تاجر رقيق ومنذ ذلك التاريخ لم يملّ الأوروبيون الحديث عن أن الزبير كان تاجر رقيق ويستشهدون بأتباعه وجنده الذين كانوا يخدمون أغراضه، ولم يكن الزبير بدعاً من التجار الذين استأجروا أعداداً من السود من أهل تلك المناطق شديدة الخطورة ووظّفوهم لأغراض الحماية والدفاع عن النفس، وليكونوا لهم أعواناً وأدلاء في رحلاتهم إنما لم يكن القصد استرقاقهم، على ذات هذا المنوال سار الزبير ود رحمة بل إنك بقراءة سريعة لأحوال العديد من أتباع الزبير ممن وفدوا من بلاد النيام نيام وبلاد قولو لا تلبث أن تقف على الدوافع الإنسانية التي دعت الزبير إلى شراء أعداد من الرجال السود من تلك البلاد كان معظمهم من المجرمين والمنبوذين الذي ينتظرون تنفيذ عقوبة الإعدام، فاشتراهم الزبير وأنقذ حيواتهم، ومن ثم فتح أمامهم سبل كسب العيش الكريم من خلال توظيفهم في جيش مسلح يعمل على حمايته وحماية تجارته المزدهرة في بيئة لا تعرف غير المخاطر وبطش السلاطين والقبائل المحلية شديدة الهمجية، لقد خاض الزبير ود رحمة مخاطر جمّة وقاتل عدة مرات ملوكاً وسلاطين أوشكوا أن يقضوا عليه قبل أن يستتب له الأمر ويفرغ لتأسيس سلطانه الذي قوّضته السلطات الخديوية عن طريق الحيلة والمكر السيئ والتهم الملفقة.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.