المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

عبد الفتاح نور أحمد  Headshot

حكيم قبيلة "أوغادين"!

تم النشر: تم التحديث:

"أوغادين" قبيلة صومالية لها نفوذ سياسي واجتماعي واقتصادي في منطقة القرن الإفريقي، ينحدر منها رموز ورجال تركوا بصماتهم واضحة على الصعيد السياسي والثقافي والأدبي، وكان منهم: المناضل السيد/محمد عبد الله حسن (1856-1920) قائد جيوش "الدراويش" التي حاربت المستعمر الإيطالي والبريطاني.

يتتبع خطى قائد الدراويش حاليا أحمد مدوبي (رئيس جوبالاند الصومالية) يُحارب تركة الاستعمار الثقافية، ويعطي السياسيين الصوماليين درساً في الاعتزاز بالهوية واللغة الصومالية؛ رافضاً بشدة في إحدى المؤتمرات استخدام لغة المستعمر القديم في المخاطبة السياسية، معتبراً إياها استلابا ثقافيًّا اعترى المشهد السياسي، وضعفاً في الانتماء والروح الوطنية.

وبعدها بأيام طلب "أحمد مدوبي" من الحضور -في مؤتمر تشاوري حول مصير الصومال- تنكيس أعلام الحكومات الإقليمية، ورفع العلم الصومالي ليرفرف عالياً شامخاً؛ لأنه رمز وطني يجمع شتات الصوماليين تحت لوائه، وهي خطوة سياسية تأتي في وقت تشهد الصومال اختباراً حقيقيًّا في الوطنية.

سطع نجمه قبل سنوات، وبالتحديد بعد بروز فكرة المحاكم الإسلامية عام 2006. لكنه ظل طوال تلك السنوات ينقش اسمه باقتدار في جدار السياسة الصومالية، متخطيا بذلك أسماء ظلت -وما زالت- تلعب في الميدان دون أن تحرز رصيدا سياسيا يُذكر.

مواقفة السياسية الواضحة -والتي لا تحمل ألوانا رمادية في مضامينها- جعلته في الآونة الأخيرة تحت دائرة الضوء، فرض نفسه بقوة على الساحة السياسية الصومالية، وهو القادم من الغابة، حاملا البندقية، ومعتنقاً فكرا دينياًّ، يؤمن بقوة فوهة المدافع والسلاح، وليس بقوة الفكر والمنطق السياسي السليم.

لم يمنعه ذلك الحافل بالجبهجية من دخول القصر الرئاسي في جوبالاند -الواقعة في أقصى جنوب الصومال-والجلوس على مقاعدها الوثيرة، وإدارة أخطر الملفات السياسية في المنطقة.

تجلّت أولى مواقفه السياسية عندما أعلن الحرب على شباب المجاهدين، ولم يتحالف معهم، أو يرسي دعائم قوية لحكومة ثيوقراطية (دينية)على فهم "مجموعة رأس كمبوني الإسلامية" الفصيل الأقوى والمسلح وقتها، والذين تلاشوا واختفوا -تماما- عن صدارة المشهد السياسي في الصومال.

كالعادة الطريق أمام هذا القائد لم يكن ممهدا؛أو مفروشا بالورود، فقد واجه تحديات كثيرة من حكومة المركز برئاسة "حسن شيخ محمود"،تجاوز تلك التحديات بحكمة وحنكة وعصامية سياسية قلّ نظيرها في الصومال؛مستعينا بخبرة وصبر اكتسبها أثناء تنقله في غابات "جوبا" الصومالية حاملا البندقية مفترشا الأرض وملتحفا السماء.

سياسة النفس الطويل، وروح التفاوض التي تعلمها في معسكرات رأس كمبوني، هي وحدها التي أنقذت مشروع "جوبالاند" من الإجهاض المبكر، قَبِلَ التفاوض مع الحكومة الفدرالية الصومالية في أديس أبابا، التي ذهب إليها سجيناً، وعاد إليها مرة أخرى مفاوضاً مع نظام مقديشو، لانتزاع حقوق أهل جوبالاند بالتفاوض مع الحكومة الفدرالية، والاتفاق معهم حول نقاط تضمن استمرار مصيرة السلام.

طموحاته لم تكن مُعلّقة في السماء، حاول أن يتدرج في السلم الرئاسي، كان يسعى في بداية مشواره السياسي أن يُصبح محافظا إقليميا، لكن عناد المجموعة المسيطرة على مقاليد السلطة في الصومال أعطته فرصة سانحة ليرفع سقف طموحاته، انتهز الفرص السياسية،وتحسس مواطىء قدمه فوق وحل السياسة الصومالية، لم ينزلق، بل طوّع كل إمكانياته ليصبح رقماً صعباً في المعادلة السياسية الصومالية.

لم يتلق "أحمد مدوبي" تعليماً أكاديميًّا يؤهله لإدارة إقليم بحجم "جوبالاند" الغنية بمواردها الطبيعية، وتنوعها القبلي، بعد الانتهاء من مرحلة الثانوية العامة انخرط في أعمال حرة، لم يذهب إلى السعودية، التي كانت أمنية والده في الالتحاق بجامعاتها، ومع ذلك فاق معظم السياسيين الصوماليين في إقناع المُخالف سياسياً، واستيعابه كأداة لخدمة مشاريعه، لا كخصم سياسي يصبح شوكة في خاصرة النظام.

القائد الحقيقي هو من يكسب ود شعبه بلا استثناء، ومن الصعوبة أن يحوز سياسي صومالي رضى شعبه بسهولة؛ نظراً لطبيعة المجتمع المعقدة، والتي يتداخل فيها الخاص بالعام، لكن شعبية الرجل في تزايد ملحوظ، والسبب يكمن في كاريزيمته الطاغية وقوة شخصيته، ومحاولة تداركه للمواقف قبل استفحالها.

وحادثة إعدام الجنود الذين قتلوا عمدا مواطنا صومالياً داخل مدينة "كيسمايو"، خير دليل على ذلك، اتخدت حكومته بسرعة قرار إعدام الجنود بعد محاكمتهم، مدركا أن حكومته أمام اختبار حقيقي للعدالة والمساواة أمام القوانين والتشريعات.

أمر آخر يُميّز هذا القائد ،وهو سرعة الإنجاز في زمن قياسي، حقق في غضون سنوات محدودة ما لم يحققه غيره من القيادات الصومالية على الصعيد السياسي والاقتصادي والأمني.

تشكيل برلمان يمثل ألوان الطيف السياسي والقبلي في مناطق جوبا، كانت من أصعب المهام التي واجهت الرجل، أدار المسألة بحكمة أوغاديني يقبل أنصاف الحلول، تنازل عن حقوق سياسية يراها غيره منطقة لا يمكن الاقتراب إليها، وملغومة بقنابل اجتماعية قابلة للانفجار، أظهر للجميع قدرته الهائلة في تجاوز عقلية المغالبة، وتفضيله المشاركة السياسية للجميع تحت قيادته الرشيدة.

رحلة تحولات هذا القائد من الغابة إلى القصر فيها دروس سياسية غاية في التأمل، وأملي كبير في أن يحظى اهتماماً من قِبل المجتمع الصومالي، ويأتي في صدارتهم الكُتّاب، فقد طلبت من الأخ والصديق الكاتب الصومالي حسن قُرني، في أن يكتب رحلة الرجل وتنقلاته مابين الغابة والقصر، وما بينهما -لا شك- مسافات تحمل دروساً وعِبراً وتجارب أصقَلت مهارات القائد المعجزة، وجعلته بلا منازع "حكيم أوغادين".

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.