المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

عبد الفتاح نور أحمد  Headshot

رسالة مفتوحة إلى الرئيس الصومالي الجديد

تم النشر: تم التحديث:

في خِضَم الفرحة العارمة التي تعم الكثير من المناطق الصومالية، بعد انتخاب الرئيس التاسع للجمهورية الصومالية محمد عبد الله فرماجو، في الثامن من شهر فبراير/شباط الجاري، نعيش لحظة تلاحم فيها الهرم مع القاعدة، ونشهد دعماً معنوياً منقطع النظير لشخص قائد الصومال المنتخب.

ثمة شعور آخر -بموازاة حالة الارتباط العاطفي مع فرماجو- يطغى على العاطفة الجيّاشة، ويتراءى له من بعيد بصيص ضوء من الأمل في إعادة اللُّحمة الوطنية، ودفع مشاريع الوطن إلى الأمام، وإن بوتيرة مدروسة وخطوات محسوبة تراعي العاطفة، وتستغلها لصالح الوطن، ولا تتجاوز الواقع المتشابك، تستثمر نهج الحماسة الوطنية، ولا تتغافل عن تعقيدات المشهد السياسي.

هناك من يقول: لا تنفع العاطفة في إدارة مؤسسات الدولة وهياكلها، وهو رأي محترم لدى شريحة مقدرة من المجتمع، وإن كنتُ أؤمن بأن العاطفة ضرورية والحماسة واجبة في بلدٍ مثل الصومال، فانهيار الدولة لم يطل على صعيد مؤسسات ومرافق الحكومة فقط، بقدر ما عانى المجتمع من جفاف عاطفي استحال معه الحصول على قائد يُنقذ البلاد، ويمسك بيده خيوط المبادرات، مستعيناً بقدراته المتاحة.

تتجسّد الصورة المتخيلة في ذهنية العقل الجمعي الصومالي بالقائد العظيم بشخص الرئيس "فرماجو" لأسباب نحن في غِنى عن ذكرها، حاول فرماجو عبر خطب جماهيرية تلهب حماس الشعب ساهمت -فيما بعد- في تكريس هذه الصورة الذهنية خلال فترة عمله رئيساً للوزراء بسبعة أشهر عام 2011، استقال بعدها بعد "اتفاقية كمبالا" بتاريخ 9 يونيو/حزيران 2011 والموقعة بين الشيخ شريف أحمد الرئيس الصومالي الأسبق ورئيس البرلمان حسن الشيخ آدم، نصّت الاتفاقية على تمديد ولايتيهما واستقالة فرماجو من منصبه.

شعوره بالغبن السياسي، والتفاف الجماهير حوله، وعدم تكلفه في صياغة الخطب، واستخدامه الأسلوب الشعبي في طرح الرؤى السياسية جعلته محبوباً لدى الجماهير، أضف إلى ذلك تحويل بعض نظرياته إلى واقع عملي ملموس، وتفضيله الخيار الوطني بدلاً عن الخيارات الأجنبية بمختلف مسمياتها (كونه مرشحاً لم تدعمه أي جهة أجنبية عكس بعض المرشحين)، كلها عوامل متضافرة أدت إلى بزوغ نجمه، وتصدره المشهد بفارق أصوات كبيرة.

في العُجالة أبعث إلى الرئيس الصومالي الجديد برسالة مفتوحة على الهواء، أرجو أن يقرأها ويتفاعل معها، راجياً من بقية المثقفين الصوماليين في الداخل، وفي دول المهجر، تقديم رسائل مماثلة؛ لعلها تفيده وتنير له الطريق، تتركّز رسالتي في النقاط الآتية:

الأمن:

التحدي الأمني هو عقبة بوجه الحكومة الصومالية، وعلى الرئيس أن يُركّز في المجال الأمني، ويُحقّق إنجازات ملموسة خلال فترة الـ100 يوم الأولى من حكمه، باعتبار الأمن الركيزة الأساسية في الحكم، وكان شعار حملته "مصلة الشعب والوطن"، فالأمن يمس مصلة المواطن الصومالي البسيط، ولن تتقدم الصومال ما لم تكن هناك استراتيجية قومية تجاه الأمن.

في الصومال هناك قوى أجنبية إفريقية تقوم بحراسة المرافق المهمة للدولة "الأميصوم"، وعلى الرئيس فرماجو أن يبعث برسائل تطمين لهذه القوى، ويشكر دورها في استتباب الأمن، ومع ذلك عليه العمل من أجل إحلال محلها بقوات صومالية يتم تدريبها وتسليحها بالعتاد الضروري.

حالياً يعمل في الصومال قوات إفريقية من جنسيات مختلفة، منها أوغندا (5800 جندي) وبوروندي (5432 جندياً) وكينيا (4652 جندياً) وجيبوتي (960 جندياً) وسيراليون (850 جندياً) فالجندي الصومالي قادر على استتباب الأمن، وبسطه في ربوع الصومال، ووجود جنود أجانب في البلاد يعطي مسوغاً لحركة الشباب، ولا يرفع من معنويات الجندي الصومالي.

اختيار الوزير الأول:

خلال ثلاثين يوماً على الرئيس أن يختار رئيس وزرائه من عشرات يسعون لهذا المنصب، وأقترح أن يراعي الرئيس في اختياره للوزير الأول لعاملين أساسييْن، أولهما: الكفاءة من الناحيتين الأكاديمية والخبرة العملية، وثانيهما: العمل وفق الاستثناء في القاعدة، وأعني في هذا أن تخالف ما جرت عليه العادة وتتقرّب أكثر إلى الأطراف البعيدة عن العاصمة، لبسط هيبة الدولة، وتوزيع السلطة، فهناك قبيلتان تسعيان إلى المنصب هما "الأبغال" وتتمركز في العاصمة وضواحيها، و"هبرجدر" وثقلها في المناطق الوسطى، لضخ دماء جديدة تسري في جسد الدولة، أُفضّل الأخيرة التي يمتد تأثيرها إلى الجوار الجغرافي مع المناطق الصومالية الأخرى.

المركز والأطراف:

تضخيم المركز وتقزيم الأطراف، أو تهميشها، كانت سياسة مُتّبعة لدى النظام السابق، ونجاح الرئيس الحالي في سياساته تكمن في طيّ صفحة الماضي والعمل من أجل توفيق مصالح المركز والأطراف، وإقناعهم، وعدم التصادم معهم، في نوفمبر/تشرين الثاني من العام الماضي التقيتُ معك فخامة الرئيس في نيروبي في جلسة عادية وداخل أحد أفخم الفنادق، تحدثنا عن سوء التفاهم الحاصل بين المركز والأطراف، أتذكر أنني قلت لك: "الصومال حالياً بين فكيّ الكماشة، بين تمادي المركز وعنجهية الأطراف، ما يضيع على الصومال الكثير من المصالح"، أعجبك طرحي دوّنتها بخط يدك هذه الجملة، أرجو أن تبحث عن قصاصات مفكرتك، وتتذكّر دائماً أن لا تصبح الصومال بين فكيْ الكماشة، وتتفادى قدر الإمكان استنزاف طاقاتك في سجالات عقيمة بين المركز والأطراف.

فريق العمل:

من أكثر عوامل نجاحك للفوز في منصبك هو فريق العمل، ولإنجاح مسيرة الوطن لا تستغنِ عن فريق عمل تُقنّن وضعيتهم الدستورية، حتى لا يتغوّلوا على السلطة، ويصبحوا مجموعة متنفذة مكشّرة الأنياب تنتشر في جسم الدولة كالسرطان، تحتاج إلى فريق عمل قوي يمثلون ألوان طيف الجغرافية السكانية والفكرية الصومالية، شريطة أن لا يصبحوا تنظيماً فكرياً له أهداف وأجندات تتعارض مع مصالح الشعب، ولا مانع من تيار قومي يضم في عضويته نخبة من رموز إسلامية ووطنية بعيدة عن سياسة الإقصاء والتهميش.

الدولة العميقة:

أولى مهامك سيادة الرئيس هي محاربة كل أشكال الدولة العميقة، وتقليم أظافرها، وإزاحتهم عن المشهد السياسي، في كتاب "قواعد السلطة الـ48" للكاتب الأميركي روبرت غرين، في القاعدة رقم 15 من هذا الكتاب تنص على: "اسحق أعداءك دون رحمة"، في سبيل الوطن ومصلحته لا بد، وأن يُعامل الرئيس كل أشكال التغوّل والدولة العميقة بيد من حديد، فالدولة العميقة تمثل عند الصوماليين عقبة يستحيل معها تنفيذ مشاريع الدولة، ومحاولة علاج الجروح بضمادات قبلية أو عرفية غير مجدية، قديماً قِيل "الكيّ آخر الحلول"، أرجو أن تجتث هؤلاء من جذورهم يا فخامة الرئيس فهم مواطنون غير صالحين.

سقف الطموحات:

سقف طموحات الشعب عالٍ والواقع مختلف؛ لأنك لا تملك حولاً سحرية وعاجلة للمعضلة الصومالية، فالواقع أكبر من قدراتك وقدرات حكومتك، ومسيرة بناء الصومال المتهدم بحاجة إلى سنوات طوال، فأرجو أن تشرح للشعب ذلك، منحوك ثقة عمياء، صارحهم، واطلب نجدتهم، فالرائد لا يكذب أهله، وحقّق لهم قدراً -ولو يسيراً- من طموحاتهم، عندما تقرأ مذكرات مهاتير محمد المعنونة بـ"طبيب في رئاسة الوزراء" ومذكرات لي كوان يو، في سنغافورة، والمعنونة بـ"من العالم الثالث إلى العالم الأول"، تجد فيهما أن ترسيخ مبدأ التعددية الحزبية هو الضامن في تسيير العمران والبنيان، اجتهد أن تتيح للشعب هامشاً من الحرية الحزبية، وادخل السباق الرئاسي القادم بنظام الأحزاب، حينها يمكن أن تضع اللبنة الأولى في عتبة بناء الدولة الصومالية العظيمة، وتدخل التاريخ من أوسع أبوابه.

وأخيراً، هناك حقائق ثابتة تجلّت لنا بعد انتخابك يا فخامة الرئيس، هي أن الإرادة الوطنية هي وحدها كفيلة بتحقيق نقلة نوعية، اعتمد على شعبك، وامنحهم الثقة اللاّزمة، وضع نصب عينيك أنك قائد يحبه شعبه، فلا تُخيّب آمالهم، أبعث إليك فخامة الرئيس برسالة مفتوحة لتتفاعل مع فحواها، قد تصلك الرسالة، وقد لا تصلك؛ نظراً لزحمة العمل، لكنني أكتبها إليك من باب لا تبخلوا على قادتكم بالنصح والتوجيه، سدّد الله خطاك، وحقَّق على يديك الخير لصومال آمِن ومستقر ومزدهر.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.