المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

عبد المالك السعدي Headshot

أزمة الفكر الإسلامي المعاصر.. بين سقوط بغداد وسقوط الموصل

تم النشر: تم التحديث:

"1"

يعد علماء التاريخ الحضاري والمفكرون سقوط القسطنطينية بيد محمد الفاتح هو البداية الحقيقية لعصر النهضة الأوروبية، وذلك لما أثاره من ضجة كبيرة في نمطية العقل الجمعي والنخبوي الأوروبي آنذاك.

كذلك يأتي سقوط بغداد واحتلالها بنفس المكانة والمرتبة التي أحدثها سقوط القسطنطينية؛ لأن مَن يسيطر على "بغداد" يصبغ الأمة بصبغته، وذلك لعمقها التاريخي ورمزيتها في التراث والفكر الإسلامي؛ حيث استيقظت الأمة على أمر جلل، هو أن "الاحتلال الأميركي" قد حصل فعلاً لبغداد، والكارثة أن هذا الاحتلال كان "متفقاً على تسميته احتلالاً بين العالم أجمع"، و"مختلفاً" عليه بين أطياف الشعب العراقي، ودخل الفكر الإسلامي بكل أطيافه في أزمة حقيقية في توصيف هذا الأمر، فـ"المرجعية" الشيعية "حرمت" مقاومته كنتيجة طبيعية للظلم الحاصل من قِبل "صدام وحزبه" آنذاك على الشيعة وممثليها، والأكراد لهم موقف يكاد يكون مشابهاً أو متحالفاً مع الأميركان، والسُّنة كانوا "خارج القوس" تماماً.

أما الفكر الإسلامي السني السائد فكان يثقف لمدة طويلة تجاه "الجهاد/ القتال"، دون أن يدخل في أدبياته التجديد لهذا المفهوم وحسابات القوة والضعف، ونظريات التمكين والاستضعاف، والحسابات السياسية للجهاد، وفقه الموازنات والمآلات، بل كان حبيس "التراث وأدبياته"، حتى وصل البعض من الحركات إلى تقديس تلك الأدبيات وإنزالها منزلة "الوحي"، ولذلك كانت ردة الفعل مختلفة بين أطياف الشعب العراقي، والأدهى من ذلك أن تصدرت "الأحزاب الإسلامية الشيعية" المشهد بعد الاحتلال، فحكمت العراق، ولكنها باءت بفشل كبير، وأوصلت البلد إلى طائفية مقيتة، ونهب للأموال، وتضييع للثروات، وأثبت "الفكر الإسلامي الشيعي" أنه غير قادر على إدارة دولة، وهو بالطبع نتيجة طبيعية لأدبيات المظلومية، وفتاوى إباحة المال العام التي كانت تتبناها تلك الأحزاب وفكرها ومرجعياتها، وأثبت عجزه عن التطور والتجديد، وأنه يمتلك أزمة حقيقية في الممارسة وفي نظريته السياسية، بل حتى في فكره.

أما السُّنة و"الفكر الإسلامي السني"، إن صحَّ التعبير، فقد انقسم إلى عدة أقسام، فمنهم من رأى ضرورة المشاركة في حكم البلاد، والتعامل مع الاحتلال كأمر واقع، وليس "شرعنته"، ولكن لتخفيف الضرر، وقسم حمل السلاح، وبدأ بالفعل مشروع المقاومة له، ومنهم من اعتزل الأمر باعتباره فتنة، وهذا الأمر يدل على أن "الفكر الإسلامي السني" واقع في "أزمة" كبيرة، فهو لا يعرف ماذا يريد، وإلى أين يتجه، ولا يملك أدنى تصور مستقبلي عن تطور الأحداث في الواقع، وظهر له أنه يعيش في وادٍ والعالم في وادٍ آخر، وأن كثيراً من أدبياته إنما كتب لمرحلة زمانية معينة، ويظن أنه ما زال في نفس المرحلة، فلم يستطِع أن يقدم حلولاً للجيل الناشئ؛ لذلك وقع في هذا الإرباك، وازداد هذا الإرباك بعد سقوط الموصل بيد داعش، وسيأتي تفصيله في مقال قادم، بإذن الله تعالى.

وفي العموم تعد مرحلة تصدّر "الإسلام الشيعي" للمشهد السياسي في العراق هي نقطة تحول في المنطقة عموماً، وفي العراق خصوصاً، سواء أكان هذا التحول على مستوى الأفكار أو السياسة أو الاقتصاد، وكذلك مرحلة اختبار لهذا الفكر وأدبياته التي طالما ادعى أنه "منقذ" للبشرية من التيه الذي تعانيه بين "الاشتراكية" وظلمها وقسوتها، و"الرأسمالية" وفردانيتها وغلوها.

ولكن مع مرور الوقت وتحوّل العراق إلى بؤرة للفساد والخراب الاقتصادي وحصوله على مراكز متقدمة في "أفسد" الدول وأكثرها نهباً للمال العام والثروات، وكذلك تحول الساحة الداخلية العراقية إلى صراع طائفي مقيت، فلم يستطِع "الفكر الإسلامي الشيعي" أن يتعامل مع شركائه في الوطن بعقلية الدولة والنظام، بل تعامل معهم بعقلية "الطائفي" الإقصائي، ولم يستطِع أيضاً أن يتخلص من تبعيته لـ"إيران"، ويتحول إلى فكر مستقل قادر على إقامة دولة تنهض وتنمو بسهولة ويسر، وهي تمتلك كل مقومات النهضة الاقتصادية والبشرية، وهذا الأمر أدى في النهاية إلى "فشل" المشروع الإسلامي الشيعي في العراق، وهو بداية النهاية ربما لهذا الفكر؛ إذ انتقل نتيجة لهذا الفشل من مجال الدولة إلى مجال صناعة الميليشيا "القوة"؛ للحفاظ على استمرار الحكم بيده، وهذه دلالة ضعف وليست قوة، فهو عجز في مجال الفكر وإقامة الدولة، وفقاً لهذا الفكر؛ لذا لجأ إلى القوة، وسينهار عاجلاً أم آجلاً.

وهذه النقطة بالذات هي بداية التحول في الفكر الإسلامي عموماً، والشيعي منه خصوصاً، وبالأخص أننا لم نرَ من ينادي بالتجديد داخل هذا الفكر، باستثناءات بسيطة كعادل رؤوف وغيره، وذلك لطبيعة نمطية عقلية ومنهجية "التقليد" السائد فيه للولي الفقيه أو للآية أو المرجع، الأمر الذي أدى إلى قوقعة هذا الفكر داخل مجموعة من "السدنة"، والسعي للحفاظ على مكتسباتهم "الدينية والدنيوية"، على حد سواء، وهو في النهاية حكم على الفكر بالانهيار قريباً.

كما أن أزمة هذا الفكر تجلت واضحة في الصراعات التي حدثت بين أطيافه، ووصل الأمر إلى قتل بعض المرجعيات من قِبل البعض الآخر، فسالت دماء، ودُمرت مدن، إضافة إلى اختلاف ولاءات هذا الفكر، فمنهم من يؤمن بنظرية "الولي الفقيه"، التي هي أقرب إلى "دين جديد أو مذهب" منها إلى الفكر الشيعي السائد منذ خمسة قرون.

ويعد انتقال الفكر الإسلامي الشيعي من مرحلة "الاستضعاف" إلى مرحلة "التمكين" هو الاختبار الحقيقي لهذا الفكر بكل أطيافه، وقد فشل فشلاً ذريعاً، ولهذا كان هناك عدة نتائج لهذا الفشل:

1- فقدان الثقة من قِبل الشعب وفئة الشباب -الشيعي والسني- حصراً بالحل الإسلامي.
2- تبني معظم الشباب التيار المدني كحل للأزمة التي يعاني منها العراق.
3- ظهور استخدام القوة بشكل مفرط ضد المخالفين، حتى وإن كانوا من نفس المذهب أو الطائفة، نتيجة لضعف الفكر.
4- بروز قيادات "تافهة" داخل بنية كل حزب أو مجموعة دينية تصدرت زعامة الميليشيا التي بناها ذلك الحزب.
5- اصطناع عدو خارجي "طائفي" أو إظهاره بهذا المظهر؛ كي يوحد البيت الشيعي في الساحة العراقية.
6- غياب الديمقراطية وآلية الانتقال السلمي للسلطة في داخل هذه الدولة التي بنتها الأحزاب الإسلامية الشيعية.
7- صراع على التقرب من القوى الفاعلة الإقليمية بين تلك الأطراف، حتى وإن كان على حساب الوطن وبنائه.

كل ذلك حدث بعد سقوط بغداد، مما أثر على الفكر الإسلامي الشيعي وأدخله في أزمة كبيرة، ولولا ظهور داعش على الساحة بقوة لانهار على نفسه ولانهارت الدولة التي يقودها، فهو فكر غير متجدد، وغير قادر على بناء دولة.

كما أن من أهم النتائج التي أفرزها هذا الفكر وتطبيقاته بعقليته التقليدية والمتآمرة على الأطياف الأخرى وولاءاته إلى إيران وقوى إقليمية أخرى كانت سقوط الموصل، الذي أحدث مشكلة أساسية في منهجية التفكير عند كلا جناحَي الفكر الإسلامي الشيعي والسني.
(يتبع)

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.