المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

عبد المالك السعدي Headshot

العمق الاستراتيجي.. في المعادلة العراقية مقتطفات من كتاب العمق الاستراتيجي.. وتنزيلها على الواقع العراقي "3"

تم النشر: تم التحديث:

بعد أن تكلَّمنا عن كل من المعطيات الثابتة والمعطيات المتغيرة في مقالين سابقين نستكمل معكم اليوم معادلة القوة التي أوردها أوغلو في كتابه العمق الاستراتيجي، وهي:

معادلة القوة وعناصرها لدى الدولة
ق=(م ث)+(م ت)×(ذ س×خ س×رس)
حيث تعبّر (م ث) عن المعطيات الثابتة لأي دولة مثل التاريخ (ت)، الجغرافيا (ج)، عدد السكان (ع)، أما (م ت) فتعبر عن المعطيات المتغيرة لكل دولة وهي القدرة الاقتصادية (ق ت)، والقدرة التكنولوجية (ق ك)، والقدرة العسكرية (ق ع)، في حين تعبر (ذ س) عن الذهنية الاستراتيجية، و(خ س) عن التخطيط الاستراتيجي، و(ر س) عن الإرادة السياسية.
وبذلك تصبح المعادلة كالآتي:
ق = [(ت+ج+ع+ف)+(ق ت+ق ك+ق ع)]×(ذ س×خ س×رس) (1)
حيث سنتكلم اليوم عن كل من الذهنية الاستراتيجية والتخطيط الاستراتيجي والإرادة السياسية، وهي بالمجمل تدخل ضمن التخطيط الاستراتيجي القومي وعناصره.

تطبيق على الواقع التركي:

عند الكلام عن تركيا فيما يخص التخطيط الاستراتيجي القومي نجد أننا أمام دولة شرق أوسطية بكل ما تتضمنه الكلمة من معنى؛ حيث إننا نلاحظ عدم وجود جهاز خاص بالتخطيط الاستراتيجي يرتبط مباشرة بالسلطة العليا للدولة، ويشكل بموجب نص دستوري أو قانون برلماني يحدد مهامه وصلاحياته، لكن التنمية التركية التي حدثت في الحقيقة حدثت لوجود بعض العقول الاستراتيجية التي وضعت خطوطاً عريضة للتنمية الاستراتيجية، سواء على مستوى العلاقات الخارجية أو السياسات الداخلية، ومن هذه العقول كل من نجم الدين أربكان رئيس الوزراء التركي الأسبق؛ حيث امتلك تفكيراً استراتيجياً، وحاول تطبيقه من خلال اشتراكه في الحكومة أو المعارضة، وسعى إلى تنمية (القوى الشاملة للدولة)، التي تتضمن:

1- القوة الاجتماعية والثقافية.
2- قوة الإعلام والمعلومات.
3- القوة العسكرية والأمنية.
4- الأوضاع السياسية الداخلية والعلاقات الدولية.
5- القوة الاقتصادية.
6- القوة العلمية.
7- القوة التقنية. (2)

حيث نلاحظ اهتمام أربكان بشكل كبير بأربعة عناصر من عناصر القوة الشاملة، هي القوة التقنية والاقتصادية والسياسية بشكل مباشر من خلال تركيزه على الصناعات، ومن ثم دورها اقتصادياً واستثمارها في التنمية الاجتماعية وعلاقاته مع بنية المجتمع الثقافية العميقة، وعدم تقاطعه معها أعطاه "قوة اجتماعية"، أما القوة السياسية فقد سعى إلى ترسيخ مفهوم (الديمقراطية) وقبول المجتمع كما هو دون أن ينظر إليه على أنه مجتمع معاق أو مشلول أو بعيد عن الإسلام، كما فعل غيره من نفس التوجه الأيديولوجي؛ لذا كان أربكان هو في الحقيقة مَن أسس الاستراتيجية التركية الحديثة، ثم تبعه بعد ذلك أحمد داود أوغلو في استكمال عناصر القوة؛ حيث ركز على العلاقات الخارجية والدور الجيوسياسي والجيوبوليتيكي لتركيا ورسخه في عقلية المواطن التركي، بغض النظر عن انتمائه أو توجهه الحزبي السياسي، فأصبحت تركيا وتنميتها مشروعاً استراتيجياً في الذهنية التركية الجمعية.

ويبقى هناك قصور واضح في وجود مؤسسة مختصة لوضع استراتيجية للدولة، إذا ما تم تشكيلها في القريب الآجل فإن تسارعاً تركياً في التنمية سيحدث، كما أنها ستتخلص من المشاكل والتناقضات الداخلية والخارجية في سياساتها.

تطبيق على الواقع العراقي

من المؤلم جداً أن نجد أن العراق، ومنذ الدخول في الحرب العراقية الإيرانية، قد فقد بوصلته الاستراتيجية؛ بل سعى إلى التركيز على عنصر واحد من عناصر القوة، وهو (القوة العسكرية والأمنية) دون النظر إلى باقي أنواع القوى والترابط بينها، فولد منظومة مشوهة استراتيجياً -إن صح التعبير- ما لبثت أن تحولت تلك القوة إلى أداة للديكتاتورية وقمع باقي أنواع القوة (العلمية والسياسية والاجتماعية..)؛ لذا ضاع العراق بين فقدان الرؤية الاستراتيجية وبين محاولة التغلب على تحديات الواقع، ثم جاء الاحتلال الأميركي وإفرازاته وتسلم الحكم مجموعة من الأحزاب (الدينية والعلمانية) التي فضلت مصلحتها (الأيديولوجية والشخصية) على حساب المصلحة القومية أو الوطنية، فلم تسعَ إلى بناء قوة شاملة تستطيع أن ترسم للعراق خطة استراتيجية تجعله في مصاف الدول المتقدمة، وتخرج به من أزمته؛ حيث سيتوجه الشعب إلى هذه التنمية وينشغل بها فتحدث وحدة وطنية بعيدة عن الطائفية أو الإثنية، والذي حدث هو العكس؛ حيث لم تشكل لجنة عليا لوضع الاستراتيجية، فضاعت الفرصة على العراق ودخل في أتون حرب طائفية وإرهاب كبير.

ولكي نستطيع أن نخرج من هذه الأزمة الخانقة نعطي يعضاً من المقترحات:

1- تعديل الدستور بحيث ينص على تشكيل (مجلس أعلى لوضع الاستراتيجيات الوطنية).
2- استثمار كافة الدراسات التي حدثت خلال الثلاثة العقود الماضية وإلى الآن في كل التخصصات والتي تمتلئ بها رفوف مكتبات جامعاتنا لإنتاج معرفة استراتيجية.
3- توظيف وسائل الإعلام لنشر وحشد جميع فئات المجتمع بما يحقق هذه الخطة الاستراتيجية،
4- تغيير السياسات وسن تشريعات تضمن تحقيق الاستراتيجية.
5- تغيير مناهج التعليم بما يتلاءم مع تحقيق الاستراتيجيات الموضوعة.
6- عمل شراكات وتحالفات مع دول قوية لضمان استمرار تحقيق هذه الاستراتيجية.

ــــــــــــــــــ

1- أوغلو، أحمد داود، العمق الاستراتيجي، مركز الجزيرة.نت والدار العربية، ناشرون، 2001.

2- أبو صالح، أ.د. محمد حسين، التخطيط الاستراتيجي القومي، مجموعة النيل العربية للنشر والتوزيع، 2013.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.