المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

عبد المالك السعدي Headshot

العمق الاستراتيجي في المعادلة العراقية

تم النشر: تم التحديث:

"1"

منذ أن زُرت تركيا في بدايات عام 2011 تأثرت كثيراً بالقفزات النوعية التي حققها حزب العدالة والتنمية في البنية الاجتماعية والثقافية والعمرانية التركية، وأعتقد أن كل مَن زار تركيا يجد ذلك واضحاً، وبعد أن أكملت المؤتمر المشارك فيه قررت أن أجلس لأتأمل هذه التجربة؛ لعلها تنفعنا في بيئتنا العراقية، وخصوصاً أنها قريبة إلى حد ما من طبيعة مجتمعنا وتنوعاته، فوجدت أن مهندس تلك النهضة على المستوى السياسي، وخصوصاً السياسة الخارجية، هو الدكتور أحمد داود أوغلو، وخصوصاً في كتابه العمق الاستراتيجي؛ لذا بدأت بقراءته، وقد أثار كثيراً من التساؤلات في ذهني، ودفعني دفعاً إلى إعادة قراءته، ومحاولة تنزيل بعض من معادلاته على الواقع العراقي، بعدما أثبت نجاحه في تطبيقه في الدولة التركية الحديثة، وأهم ملامح الكتاب في
معادلاته العميقة، ومن هذه المعادلات:

معادلة القوة وعناصرها لدى الدولة:

ق= (م ث) + (م ت) × (ذ س×خ س×رس)
حيث تعبر (م ث) عن المعطيات الثابتة لأي دولة، مثل التاريخ (ت)، الجغرافيا (ج)، عدد السكان (ع)، أما (م ت) فتعبر عن المعطيات المتغيرة لكل دولة، وهي القدرة الاقتصادية (ق ت)، والقدرة التكنولوجية (ق ك)، والقدرة العسكرية (ق ع)، في حين يعبر (ذ س) عن الذهنية الاستراتيجية، و(خ س) عن التخطيط الاستراتيجي، و(رس) عن الإرادة السياسية، وبذلك تصبح المعادلة كالآتي:
ق= [(ت + ج + ع + ف) + (ق ت + ق ك + ق ع)] × (ذ س×خ س×ر س)] "1"

وسنأخذ في كل مقال بعضاً من حدود هذه المعادلة، وكيفية تنزيلها على الواقع العراقي:

1- المعطيات الثابتة (م ث)، وهي تلك المعطيات التي ليس بمقدور الدولة أن تغيرها على المستوى البعيد أو المتوسط، فضلاً عن القريب، كالتاريخ والجغرافيا وعدد السكان، لكنه بطبيعة الحال لا يعني أن ثقل هذه العناصر ثابت لا يتغير في معادلة القوة؛ بل إن الوضع الدولي المتغير يفتح المجال أمام تغيّر الثقل النوعي للعناصر الثابتة المذكورة الموجودة ضمن توازنات القوى لأي دولة.

إن الدولة التي تعمل على تقييم التغيير للثقل النوعي لهذه المعطيات في التوقيت المناسب تستطيع أن تجعل من هذه العناصر الثابتة أرضية لدعم البناء الديناميكي لسياستها الخارجية. (انتهى الاقتباس)

- تطبيق على الدولة التركية:

يعد موقع تركيا موقعاً استراتيجياً من ناحية الجيوبوليتيك؛ إذ إنها تمثل حلقة اتصال بين مكونات (الجزيرة العالمية) وفقاً لرؤية ماكندر "2"، وبذلك فهي في تماس مع قلب العالم؛ بل نرى أنها منطقة استراتيجية في حلبة الصراع بين قوى البر (روسيا وحلفائها)، وقوى البحر (أميركا وبريطانيا وحلفائها)، أما من الناحية السكانية فهي تشتمل على كتلة سكانية كبيرة ومتنوعة (أتراك، أكراد، عرب..)، ومن ناحية التنوع الديني ففيها مسلمون، وهم الأغلبية، ومسيحيون، وكل ذلك تم استثماره بشكل جيد وفقاً لهذه المعادلة؛ إذ إن التحرك السياسي الحديث، وخصوصاً بعد 1995 اتجه نحو الوحدة الثقافية للشعب التركي، وبدأت مرحلة وئام مع التاريخ والثقافة العثمانية وامتدادها الإسلامي، وأثرها التركي بعد صراع مع التاريخ والإرث الثقافي التابع له لأكثر من سبعين سنة، استطاعت السياسة التركية الحديثة أن تستفيد من هذا التنوع، وهذا الاندماج بين التراث والحاضر وتمايز كل منهما عن الآخر من ناحية المعطيات، فتكونت لديها قوة ثابتة ممتازة، استطاعت أن تستفيد منها تركيا، بأن تكون لاعباً إقليمياً مهماً، وتجلى الاندماج الثقافي واضحاً وأثر القوة الثابتة داخلياً في إفشال الانقلاب الذي حدث قبل أشهر.

- تطبيق على الدولة العراقية:

عند النظر إلى العراق بعمق نجد أن المعطيات الجيوبوليتيكية هي نفسها أو قريبة منها بالنسبة للموقع، ولذا فتأثيرات العراق قد تكون مهمة إذا تم استثمارها بالشكل الصحيح، والواقع أن الدولة العراقية الحديثة لم تأخذ بالعمق التاريخي الذي يشكل الخلفية الثقافية للمجتمع العراقي، على أن الثقافة هي امتداد للدولة العباسية أو الأموية ببُعدَيها الإسلامي والإنساني؛ بل ركزت الدولة العراقية بعد التأسيس على اعتبار أن الإسلام ثورة كأي ثورة بشرية،

وبالتالي فصلت بمفهومها القومي الضيق المجتمع العراقي عن تاريخه الذي من المفترض أن يمثل عامل توحد وقوة؛ بل أصبح هذا التاريخ عامل تفرّق لتغلب النزعة القومية على كُتابه، وأدى في النهاية إلى تمزيق العراق، وظهور المشكلة الكردية على الساحة العراقية منذ تأسيس الدولة العراقية على الأساس القومي الضيق والإرث التاريخي بتفسيره المتعسف (وهذا مشابه لما حدث في تركيا منذ 1924 إلى 1995)،

وهذا كله أدى إلى ضعف البعد السكاني للعراق، وعدم استعماله في الثقل النوعي للعراق في العلاقات الخارجية أو الداخلية، وكذلك وكنتيجة طبيعية للتمزق أثَّر ذلك على جغرافيا البلد، الذي أصبح مهدداً بالتقسيم إلى أقاليم، وخصوصاً بعد نهاية الحقبة القومية من الدولة العراقية، وابتداء حقبة أكثر تعسفاً من القومية في تفسير التاريخ على أسس طائفية أو عرقية، والتي ستؤثر سالباً على القوة الفعلية للعراق على الساحة الدولية.

أما إذا أراد العراق أن ينهض بمعطياته الثابتة، ويجعلها عناصر قوة فليس لديه إلا العودة إلى العمق التاريخي للمجتمع العراقي ككل، والمتمثل في التاريخ والجغرافيا التي تمثل امتداداً حقيقياً للحضارة والثقافة الإسلامية، ولا ننسَ الحضارة الآشورية والبابلية والسومرية، رغم ابتعادها زمانياً عن الحقبة الراهنة، وهذا سيؤثر على السكان ويوحدهم، فيصبح عدد سكان العراق حقيقياً فعلاً ومؤثراً في حسابات التخطيط الدولي والداخلي.

ــــــــــــــــــــــــ
1. أوغلو، أحمد داود، العمق الاستراتيجي، مركز الجزيرة نت، والدار العربية ناشرون، 2001.

2. سلطان، د.جاسم، جيوبوليتيك، تمكين للأبحاث والنشر، بيروت لبنان، 2013.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.