المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

عبد المالك السعدي Headshot

أزمة الفكر الإسلامي المعاصر.. بين سقوط بغداد وسقوط الموصل "3"

تم النشر: تم التحديث:

منذ اللحظات الأولى لسقوط الموصل تجلت "أزمة الفكر الإسلامي"؛ حيث لم يستطِع مواكبة الحدث، بل لم يكن يمتلك "فقهاً واقعياً" يجعله قادراً على إعلان موقف واضح تجاه ما يحصل في أكبر محافظة عراقية، بل رأينا مواقف متغيرة، وفي بعض الأحيان متناقضة تجاه ما يحدث في العراق؛ فمنهم من اعتبر أن الأمر "تحرير" -وهم الأطراف التي كانت تتبنى المقاومة المسلحة وهيئة علماء المسلمين- واعتبرته استمراراً ونتيجة طبيعية للمظاهرات السلمية التي خرجت قبل ذلك للمطالبة بالحقوق "التي تم حرقها في جمعة حرق المطالب"، وهذا بعد آخر للأزمة.

أما أطراف أخرى فكانت تعتبر أن الأمر سقوط واحتلال، وهم "الحزب الإسلامي وكتلة متحدين وبعض العقلاء والعلماء.."، هذا الاختلاف يعطينا مدى عمق الأزمة التي يعاني منها الفكر الإسلامي "السني"، وخاصة بعدما تم إعلان الخلافة من قِبل تنظيم داعش.

مع إعلان الخلافة من قِبل تنظيم داعش حدث إرباك كبير داخل بنية الإسلاميين وتنظيماتهم، وذلك لأن معظم هذه التنظيمات كانت أدبياتها ترسخ لمفهوم "الخلافة، والحاكمية، والبيعة، وتطبيق الشريعة، والحدود.." على أنها أصول ثابتة في الدين لا يمكن تجاوزها عبر العصور ومتغيرات الزمان والمكان.

هذه المصطلحات وغيرها كانت قد رسخت في أذهان المنتمين للحركات الإسلامية بكافة أطيافها، ثم تم الإعلان عنها على يد هذا التنظيم، فبدا الشباب في حالة حيرة كبيرة من الأمر ولم يستطِع أن يقدم الفكر الإسلامي الذي يعتبرها "مقدسات" أجوبة مقنعة للمنتمين له، بل راح يراوغ في استخدام العبارات واستتر خلف الاستثناءات "عدم تطبيق الحدود في عام الرمادة - درء الحدود بالشبهات - عدم ملاءمة الوقت.."، ولم يدخل إلى عمق المشكلة، ويناقش هذه المصطلحات ويبحث في إمكانية كونها مصطلحات واجتهادات بشرية خاضعة للزمان والمكان، تتغير وفقاً لطبيعة تغير هذين العاملين، وأن الفكر الإسلامي المعاصر قادر على إنتاج تجارب جديدة ملائمة للواقع وتحقق المقاصد وتخرجه من الأزمة التي وقع فيها.

وهذه النقطة "إعلان ما يسمى الخلافة" في خط سير سقوط الموصل تعد أخطر وأهم نقطة في نفس الوقت؛ لعدة أمور:

1- أصبح كثير من الشباب يتساءل عن بعد المصطلحات المستخدمة في أدبياته "الخلافة، الحاكمية، الحدود، الديني، السياسي..".

2- بروز دعوة إلى مراجعة التراث وتمييزه عن "الوحي الإلهي"، وعدم سحب فتاوى كانت خاضعة لزمان ومكان معينين إلى واقعنا المعاصر.

3- الدعوة إلى تبني الفكر القائل بالتمييز بين الديني "التعبدي" والسياسي "المصالحي" لدى الجيل الجديد في بنية الحركات الإسلامية، وخاصة أولئك الذين بقوا تحت سيطرة التنظيم وسطوته.

4- بروز التيار المدني داخل جيل الشاب والدعوة إلى تبنيه كطريق للخلاص من الإشكاليات التي وقع فيها البلد كنتيجة للفكر الإسلامي بشقيه "السني والشيعي".

5- بروز بعض الذين ينادون بالإلحاد العلمي والسعي لاستثمار ضعف بنية الفكر الإسلامي التقليدي للظهور كمنقذ واقعي، وإن كان الأمر على مستوى محدود.

كل هذه النقاط جاءت كردة فعل طبيعية على تصرفات داعش واستدعائها للنصوص "القرآن والسنة"، والجمود في فهمها وتقديس التراث "فتاوى ابن تيمية وابن القيم ومحمد بن عبد الوهاب"؛ لتطبيقها في الوقت الحالي بما يتلاءم مع نظرتهم للحياة والكون والإنسان، في غياب واضح للرد على تصرفات داعش على مستوى علماء العالم الإسلامي "الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين / المجامع الفقهية"، يستثنى من ذلك المجمع الفقهي العراقي وإن كان رده ليس بالمستوى الذي يقنع الشباب ويرد على بنية "فكر الخلافة" من جذوره، وذلك لأنه حبيس التراث وأدبياته.

وإذا أراد الفكر الإسلامي المعاصر أن يعود مرة أخرى إلى توجيه البوصلة لدى الأمة فعليه أن يقف عند محطات كبيرة ويراجعها، منها:

1- فكرة الخلافة وطريقتها والأحاديث التي تتناولها والخروج بتوصيف واضح لها هل هي دينية "تعبدية" أم سياسية "مصالحية" وفقه الدولة في الإسلام؟

2- الحدود وتطبيقاتها وتحديدها والسعي لفهم فلسفتها والبعد الديني التعبدي والبعد الدنيوي المصالحي فيها.

3- الحاكمية وجاهلية المجتمع وإشكالياتها الزمانية وهل هي مصطلح سياسي أم شرعي ديني تعبدي؟

4- فتوى الجهاد التي تتقاطع مع كثير من مقاصد الشريعة "فقه التترس - العمليات الانغماسية.." الموجودة بشكل واضح في كتب التراث الإسلامي.

5- ما يسمى "حد الردة" وما أثير حوله من إشكالات كبيرة.

6- كثير من الأحاديث التي تنسب إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وهي ربما ليست من الوحي، أو فيها ضعف بُني عليها الكثير من الفتاوى ذات الأثر الكبير في حياة الأمة.

7- أحاديث أشراط الساعة والطريقة التي تعرض بها، وخاصة بعد أن استخدمها داعش بطريقة تبشيرية يثبت بها توجهاته.

كل هذه النقاط التي أثيرت خلال المقالات السابقة تدفعنا دفعاً إلى أن نسعى جاهدين إلى تحديث نمطية تفكيرنا وطريقة التعامل مع أدبياتنا، ومحاولة المزج بين المنهج العلمي والواقعي، انطلاقاً من فقه المقاصد القرآنية التي هي بالضرورة إنسانية لتحقيق "العدل - الحرية - التنمية - العمران - الرحمة.."؛ كي نعود إلى طريق نهضتنا من جديد.

نعتقد أن هذه الهزات العنيفة في فكرنا ربما -إن أحسنَّا التعامل معها- ستقودنا إلى عصر النهضة الخاص بنا.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.