المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

عبد المالك السعدي Headshot

(2) العمق الاستراتيجي في المعادلة العراقية

تم النشر: تم التحديث:

بعد الحديث عن المعطيات الثابتة في المقال السابق، وكيف استثمرت تركيا ذلك في علاقاتها الخارجية، وأن العراق يملك نفس المعطيات الثابتة، ولكنه لم يستخدمها إلى الآن في معادلة القوة في سياساته الخارجية، نأتي اليوم للكلام عن المعطيات المتغيرة، ولكي يكون الأمر أكثر وضوحاً، نعيد التذكير بالمعادلة التي وردت في كتاب العمق الاستراتيجي لأحمد داود أوغلو، وهي:

معادلة القوة وعناصرها لدى الدولة:

ق= (م ث) + (م ت) × (ذ س×خ س×رس)
حيث تعبر (م ث) عن المعطيات الثابتة لأي دولة، مثل التاريخ (ت)، الجغرافيا (ج)، عدد السكان (ع)، أما (م ت) فتعبر عن المعطيات المتغيرة لكل دولة، وهي القدرة الاقتصادية (ق ت)، والقدرة التكنولوجية (ق ك)، والقدرة العسكرية (ق ع)، في حين يعبر (ذ س) عن الذهنية الاستراتيجية، و(خ س) عن التخطيط الاستراتيجي و(رس)عن الإرادة السياسية.

وبذلك تصبح المعادلة كالآتي:
ق= [(ت+ج+ع+ف) + (ق ت+ق ك+ق ع)] × (ذس×خ س×رس)

2- المعطيات المتغيرة (م ت)
إن المعطيات المتغيرة لبلد ما هي العناصر التي يمكن تفعيلها في المدى البعيد أو القريب أو المتوسط، وهي العناصر التي تعكس مدى قدرة الدولة على استخدام القوى الكامنة فيها، وتعتبر كل من الموارد الاقتصادية للدولة (ق ت) وبنيتها التحتية التكنولوجية (ق ك) والتراكم العسكري لديها عناصر متغيرة في معادلة القوة للدولة (ق ع).

ويؤدي استخدام هذه العناصر المتغيرة بشكل منسق ومثمر في بناء السياسة الخارجية إلى ازدياد ثقل الدولة في توازنات القوى الدولية، وبالمقابل فإن الدول التي لا تستطيع بناء تلك العناصر بشكل منظم وفعَّال تصاب في ضعف قوتها في علاقاتها الخارجية.

وهذا واضح جداً في الدول التي حاولت أن تبني لها قوة اقتصادية فعَّالة بعد انتهاء الحرب الباردة، وخاصة تلك التي حاولت أن تكون لها بِنى اقتصادية وطنية طيلة الحرب الباردة، من خلال تصنيع المواد التي كانت تستوردها من الخارج، وبعد الحرب الباردة عملت هذه الدول على توجيه سياستها نحو اتخاذ مكانة في التوازنات الاقتصادية الدولية، من خلال نماذج تنموية تستند إلى عملية تصدير بشكل أساسي، وهذا أدى إلى تفعيل الترابط بين الاقتصاد السياسي واستراتيجية الدولة، الذي أدى إلى أن تكون المصالح الاقتصادية من العناصر الأساسية في العلاقات الدبلوماسية للدولة.

أن قضية الانسجام بين السياسات الاقتصادية الداخلية والخارجية أدت إلى إخراج البنية السياسية الخارجية والعمليات التطبيقية المتعلقة بها إلى خارج المسار الدبلوماسي الكلاسيكي. (انتهى الاقتباس بتصرُّف) (1)

* التطبيق على الحالة التركية

المتتبع لتاريخ الدولة التركية الحديثة يجد أنها كانت تعاني من مشكلة حقيقية في كل من القوة الاقتصادية (ق ت)، والقوة التكنولوجية (ق ك) إلى حدود عام 1995؛ حيث بدأت القوة التكنولوجية بالصعود والنهوض وصعد معها النمو الاقتصادي، وخاصة بعد مجيء (حزب العدالة والتنمية إلى الحكم) وتبنيه لرؤية اقتصادية جيدة وتطبيقه لها، أما القوة العسكرية فهي كانت حاضرة وبقوة منذ تأسيس الدولة التركية الحديثة، ولكن عامل القوة الذي أضيف لها هو انضمامها إلى حلف الناتو أولاً، ثم انتقال تركيا إلى صناعة المعدات العسكرية الثقيلة، وتعتبر هذه الخطوة معززة لجانب استخدامها للقوة المتغيرة، ولذا نرى تركيا تحولت من إطار (المنطقة الوسطى للتخطيط الاستراتيجي القومي إلى المنطقة المبادرة في الاستراتيجية القومية). (2)

* التطبيق على الحالة العراقية

أدنى تبنِّي العراق لسياسة اقتصادية غير واضحة المعالم مع تأسيس الدولة العراقية في الحقبة القومية الأولى (الحقبة الملكية) إلى إرباك العراق في قوته الخارجية، وخاصة خلال الحرب العالمية الثانية، وخلال حرب 1948 مع الكيان الصهيوني، ولم تكن للقوة الدبلوماسية العراقية قوة في صناعة أي قرار يخدم العراق؛ بل أي قرار يخدم فكرة القومية العربية التي أسست الدولة على أساسها، يؤكد ذلك خضوع السياسة العراقية إلى الانجرار إلى حلف بغداد، وهكذا يستمر ضعف السياسة الخارجية العراقية؛ لعدم وجود بنية اقتصادية واضحة، وعدم ربطها مع المتغيرات الثابتة (جغرافيا - تاريخ - سكان)؛ بل انفصالها تماماً عن البنية الثقافية التاريخية للعراق، وهذا بدوره أضفى على الاقتصاد العراقي طابعه الاستهلاكي،

وعندما حاول أن يدخل باب التصنيع فهو لم يكن مدروساً ولم يربط بين السياسة الخارجية والداخلية وكيفية استثمار هذه الصناعة الوطنية في تكوين علاقة استراتيجية دولية متوازنة؛ بل إن أهم صناعة يمتلكها العراق كانت في قدرته على خلق ذلك التواصل الاستراتيجي بين الداخل والعلاقات الخارجية، ألا وهي صناعة البتروكيماويات، وإذا كان هناك عذر للدولة في حقبتها الأولى، فلم يعد لها عذر بعد ثورة 1958، وتحول العراق إلى سياسة اشتراكية أقرب إلى أحد أطراف الحرب الباردة، ثم تأتي مرحلة تأميم النفط، وكيف استطاع كل من العراق والسعودية في السبعينيات من القرن الماضي صنع علاقة دولية تميل إلى التوازن والقوة، من خلال صناعة النفط واستخدامها في العلاقات السياسية، ثم ما لبثت أن أضعفت تلك العلاقة المتوازنة بين السياسة الخارجية والداخلية العلاقة الاقتصادية الدولية، عند انجرار العراق إلى حرب كان ربما يمكن أن تكون العلاقات الاقتصادية السياسية،

التي لو بُنيت بشكل يسمح باستخدامها كقوة في العلاقات الدبلوماسية، كان بالإمكان تجنب الحرب، والحفاظ على نسق النهوض الذي بدأ به العراق، ثم إن تحوُّل العلاقات الداخلية السياسية إلى علاقة بعيدة عن المؤسساتية أربك الصناعة العراقية أثناء وبعد الحرب العراقية - الإيرانية، ووجهت تلك الصناعة إلى صناعة عسكرية غير استراتيجية (سنوضح ذلك في المقال القادم)، وابتعاد العراق عن أن يكون له صناعة وطنية تلعب دوراً مهماً في علاقاته الدبلوماسية، واستمر الوضع بالتردي حتى أصيب الاقتصاد العراقي بالشلل في حقبة الحصار الذي كان من المفترض بالدولة أن تعود إلى بناء نفسها مؤسساتياً، وتستغل فترة الانقطاع الخارجي لترتيب صناعتها الوطنية،

واستغلال الموارد المادية والبشرية بشكل أمثل، بعيداً عن المهاترات العاطفية التي أساءت إلى الاقتصاد، وإلى الصناعة الوطنية، وكان الأجدر بنا أثناء الحصار الاستفادة من تجربة اليابان بعد الحرب العالمية الثانية، أو من تجربة ألمانيا بعد سقوط الرايخ الثالث.

أما فترة الدولة العراقية الثالثة (أي بعد الاحتلال)، فيبدو أن الاقتصاد العراقي والصناعة الاقتصادية العراقية لم يوضعا أبداً في حسابات الدولة وكيفية استخدامها في العلاقات الدبلوماسية، ويظهر أن الدولة العراقية الحديثة لا تمتلك بعداً استراتيجياً لتنمية صناعة، وطنية أو حتى أن تستغل قوة الصناعات العابرة للقارات (الشركات الصناعية الدولية) في استثمارات مشروطة توائم بين الداخل كدولة وسيادة، والخارج كقوة فاعلة سياسياً واقتصادياً.

والحل لذلك، ومن خلال المعادلة أعلاه يتمثل في:

1- صناعة اقتصاد قوي تشكل فيه الصناعة النفطية معطى مهماً من معطياته.

2- إحياء بعض الصناعات الوطنية التي ضربت بعد الاحتلال، من خلال سن قوانين داخلية تشجع الصناعة الوطنية.

3- وضع خطة للاستفادة من الاستثمارات الخارجية في الداخل، وكيفية استفادة المواطن منها، وكيفية استخدام تلك الاستثمارات كمعطيات في العلاقة الخارجية للدولة.

4- الابتعاد عن الاستثمارات الاستهلاكية في الداخل، أي بدلاً من أن يكون هناك استثمار لبناء سوق تسويقية، يكون الاستثمار لبناء معمل لإنتاج المواد السوقية.

5 - الاهتمام بالصناعة الزراعية إن صح التعبير واعتبارها مقوماً مهماً من مقومات الاقتصاد العراقي لتحقيق الاكتفاء الذاتي.

ـــــــــــــــــــــــــــــ

1- أوغلو، أحمد داود، العمق الاستراتيجي، مركز الجزيرة نت والدار العربية ناشرون، 2001.

2- ذكر الدكتور محمد حسين أبو صالح أن التخطيط الاستراتيجي القومي يمر بثلاث مراحل هي: مرحلة التأسيس، والمرحلة الوسطى، ومرحلة المبادرة، في كتابه التخطيط الاستراتيجي القومي.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.