المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

عبد العزيز أحمد جَدَفْ  Headshot

فوز أحمد دعالى برئاسة ولاية جلمدغ ودلالاته على المشهد السياسي في الصومال

تم النشر: تم التحديث:

فاز أحمد دعالى جيلي برئاسة ولاية جلمدغ في الانتخابات الرئاسية التي انعقدت بمدينة عذاذو الحاضرة الانتقالية للولاية في الثالث من شهر مايو/أيار الجاري، على منافسه أحمد شريف المُقرّب إلى التيارات الإسلامية في البلاد بأغلبية شبه ساحقة (54) صوتاً من أصل 89 نائباً يتكون منهم برلمان الولاية، وذلك في جولة ثانية من انتخابات موصوفة بالشفافية والمصداقية المتداولة في معايير العالم الثالث.

الرئيس الجديد لولاية جلمدغ "جيلي" كان نائباً في البرلمان الصومالي مابين فترة 2000- 2016، غير أنه تلقّى خيبة أمل وصدمة غير مُتوقّعة في الانتخابات البرلمانية التي انعقدت أواخر العام الماضي في مدينة "عذاذو" إثر تلاعب علني فيها، وهو رجل أعمال بارز عمل في مجال تجارة الطيران والفنادق واستيراد القات من كينيا وكمقاول لهيئات الأمم المتحدة العاملة في البلاد، كما أنه رجل ليبرالي لا يمت بصلة بأي إلى التيارات الإسلامية ذات المشاريع السياسية، ومن ضمنها التيار السلفي والإخواني.

في مقابل ذلك، يُعدّ منافسه الخاسر في الانتخابات الرئاسية أحمد شريف رجل أعمال غرباويي شغل سابقاً منصب نائب مدير ميناء مقديشو الدولية في أيام الرئيس الأسبق الشيخ شريف شيخ أحمد، كما كان رئيساً لمحكمة الفرقان إحدى اتحاد المحاكم الإسلامية الذي طرد أمراء الحرب المسيطرين على العاصمة الصومالية مقديشو بكاملها في عام 2006؛ الأمر الذي حوّل المشهد الانتخابي للولاية إلى ميدان تنافس فيما بين الإسلاميين والليبراليين للوصول إلى مقاليد المناصب العليا لها.

وقد رجحت الكفة في هذه المرة للفئة الأخيرة؛ ما أدخل المستقبل السياسي للتيارات الإسلامية في قعر مظلم، ليست فحسب على مستوى ولاية جلمدغ، وإنما حتى في مستقبل تأثيرهم على الحكومة المركزية. غير أن دور الإسلاميين في السياسة الصومالية لا يستهان به بحكم توفُّر آليات متعددة وكفيلة لعودتهم إلى سدة الحكم بشكل أو بأخرى.


1- دوافع فوز جيلي بمنصب رئاسة ولاية جلمدغ

حنكته السياسية، حيث استحوذ على منصب النائب فى البرلمان الصومالي لمدة تناهز عقدين من الزمن، إلى جانب تمتُّعه بثروة مالية هائلة اكتسبها عن طريق التجارة الممتدة في عدة قطاعات مختلف. علاوة على ذلك، فإن ولاية جلمدغ تُمثّل مسقط رأسه وميدان ترعرعه مقارنة بالرئيس السابق للولاية عبد الكريم جوليد المولود في مدينة بلدوين بولاية هير شبيلي رغم اجتماع انتمائهما القبلي في ولاية جلمدغ.

استفاذ "جيلي" من معطيات واقع الانتخابات الذي تشهده البلاد والمتمثل في الفرار وعدم التصويت للسياسيين المنتمين إلى التيارات الإسلامية في البلاد، والتي على أثرها فاز محمد عبد الله فرماجو برئاسة البلاد، وبها تمّ تعيين حسن علي خيري رئيساً لوزراء البلاد.

اكتسب "جيلي" أكبر عدد ممكن من أعضاء البرلمان مستخدماً مكاسب مادية وأخرى سياسية متنوعة خلال الفراغ السياسي للولاية الذي امتدّ منذ أن قامت كتلة برلمانية بسحب الثقة عن الرئيس السابق للولاية عبد الكريم جوليد في بداية العام الجاري، في اجتماع عقدته بمكان غير مقر البرلمان في مدينة عذاذو، والتي وصفها "جوليد" بأنها خطوة غير شرعية ومنافية لدستور الولاية؛ الأمر الذي أجبره في النهاية على تقديم استقالته عن رئاسة الولاية في نهاية فبراير/شباط الماضي؛ استجابة لتلك المطالب التي تفاقمت ووصلت إلى ذروتها إثر خسارة حليفه حسن شيخ محمود في الانتخابات الرئاسية للبلاد.

يعتبر فوز أحمد جيلي برئاسة ولاية جلمدغ كتوابع وإفرازات للخسارة التي مُني بها الرئيس السابق حسن شيخ محمود في الانتخابات الرئاسية السابقة التي كان "جوليد" فيها رئيس الحملة الرئاسية له والتي على خلفيتها استقال من منصبه بحكم قاعدة " الجنين مذبوح بأمه". ومن هنا، فإن فوزه في إطار دفع فاتورة حسابات الانتخابات والتي شملت منع إدارة جلمدغ، التي ترأّسها "جوليد"، من مشاركة الرئيس المنتخب حالياً للولاية في الانتخابات البرلمانية المنعقدة هناك أواخر العام الماضي.


2- تداعيات فوز جيلي برئاسة ولاية جلمدغ

قد يؤدي هذا الحدث إلى اتفاقية محتملة بين الرئاسة الجديدة لولاية جلمدغ وتنظيم أهل السنة والجماعة الذي يسيطر على مدينة "طوسمريب" حاضرة الولاية رغم تصريحات التنظيم الأولية والمعارضة للرئيس المنتخب للولاية. وفي حال حدوث أية اتفاقية من هذا النوع بين الطرفين، فإن تنظيم أهل السنة ذا التوجه الصوفى سيقوم بدوره بمطاردة التيارات الإسلامية على غرار محاربة حركة الشباب المرتبطة بتنظيم القاعدة والموجودة في المنطقة.

ومن هنا، فإن تلك التيارات الإسلامية قد تقع ما بين مطرقة رئيس الولاية وسندان تنظيم أهل السنة والجماعة المعارض بشدة لها بشكل كلي.

بما أن الرئيس الجديد للولاية رجل أعمال، فقد تشهد المنطقة زخماً تجارياً متزايداً، إلى جانب إعطاء مزيد من الاهتمام لإحياء الموارد الاقتصادية للمنطقة، بما فيها فتح وتشغيل ميناء "هبيو " بعد إلغاء صفقة بنائه التي أجراها "جوليد" سابقاً مع رجال أعمال وسياسيين عراقيين والتي وُصفت أنها بمثابة فتح نافذة وتوغل آخر للشيعة الإيرانية إلى البلاد من جديد، بالإضافة إلى بناء مطار رئيسي للولاية.

قد يفتح فوز جيلي الباب على مصراعيه أمام استبعاده الكامل للمنتمين إلى التيارات الإسلامية وحلفائهم السياسيين في الولاية من الحقائب الوزارية التي كانوا يتولونها في إدارة الرئيس المستقيل عبد الكريم جوليد، حيث من المحتوم أن رفقاء جوليد سيرحلون معه لدرجة أن مخاوف استبعادهم من التشكيلة القادمة للولاية باتت أمراً محتوماً، حيث يُتوقع ألا يتم إدراج أسماء الشخصيات المنتمية إليهم أو المتحالفة معهم أو ذات الخلفيات الإسلامية أو المرتبطة بالإسلام السياسي بشكل نهائي.


3- مستقبل الولاية في ضوء الرئيس الجديد

من المُتوقّع أن تشهد ولاية جلمدغ، إثر انتخاب "جيلي" رئيساً لها، مرحلة سياسية جديدة مشوبة بتغييرات جذرية في واقع علاقاتها مع الحكومة المركزية، إلى جانب النزاعات القائمة بينها وبين ولاية "بونت لاند" الجارة لها، بالإضافة إلى كيفية التعامل مع تنظيم أهل السنة والجماعة الذي يعارض الولاية والذي يسيطر على "طوسمريب" حاضرة الولاية.

فعلي مستوى الحكومة الصومالية، قد تأخد علاقتهما طوراً من التراشقات البسيطة بفقدان آليات سابقة تربط بين الرؤساء على مستوى الحكومة الفيدرالية والولاية، لكن بحُكم الانتماء الجُغرافي لكلٍّ من رئيس الصومال ورئيس الوزراء إلي ولاية جلمدغ، فإن ذلك حتماً يلعب دوراً هاماً في تقارب الاتجاهات بين الطرفين.

كما يُتوقع أن تهدأ النزاعات الحدودية بين ولايتي جلمدغ وبونت لاند بصورة نسبية؛ للتغييرات السياسية التي حدثت في المناصب العليا للبلاد شريطة حدوث توافق بينهما على تقاسم المشاريع الاقتصادية القائمة في الحدود الفاصلة بينهما.

أما من حيث مستقبل العلاقة بين الولاية وتنظيم أهل السنة والجماعة، فيرى المراقبون أنه من المحتمل جداً مع تزايد أوراق الضغوطات المطروحة عليهما أن يحدث وفاق سلمي مبني على الشراكة في المناصب العليا للولاية، وفي حال حدوث تفاهم من هذا القبيل، فإن ذلك يُمهّد الطريق لتضافر جهودهما في محاربة حركة الشباب وتحرير مناطق كبيرة من الولاية؛ ما قد يضيق الخناق عليها ويدفعها إلى اللجوء للفرار منها بشكل نهائي.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.