المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

عبدالرزاق حسن Headshot

عن "الإسلام التعبدي" الذي يريده الغرب!

تم النشر: تم التحديث:

إنه لمن اللافت للنظر في الآونة الأخيرة تغير لحن خطاب الزعماء الغربيين نحو الإسلام، فنجد تبني خطاباتهم الحديثَ عن عظمة الإسلام وسماحته مستشهدين على ذلك بآيات من القرآن الكريم والأحاديث النبوية.

إن ما يدعو للتعجب هو أن نسمع هذه الخطابات ممن كانوا يُوسِمون الإسلام بأنه مصدر الإرهاب والتطرف في العالم وشنوا على إثره العديد من الحروب على الدول الإسلامية بداعي الحرب على الإرهاب وإحلال السلام في هذه البلدان، فمن خلال تصنفيهم الإسلام هو الإرهاب والمسلمون هم الإرهابيون، وكان يكفي أن تكون مسلماً ليتم الاشتباه بك لكونك إرهابيًا.

إن هذ التغير المفاجئ ليس لإدراك متأخر لحقيقة الدين الإسلامي وسمو مبادئه، بل هو إعلان عن حرب جديدة على الإسلام بأسلوب مختلف، ولكنه ليس بالجديد فقد انتهج الغرب هذا الأسلوب سابقاً، وذلك بعد الحرب العالمية الأولى وإسقاط الخلافة العثمانية عن طريق تقسيم الدول الإسلامية وسن دساتيرها وقوانينها وفرض حكام سائرين على منهجهم وخلق علماء دين يصغون الإسلام بالطريقة التي تتماشى مع المنهج الغربي واعتبار ما سواه إرهابًا وتطرفًا.

لقد تأكد لأميركا والدول الغربية أن حروبهم الأخيرة على الإسلام لم تكن مجدية ولم تعد مجدية في الوقت الحالي، فبالإضافة إلى تكلفتها الباهظة الثمن فقد أنشأت نوعًا من الاجتذاب نحو الإسلام أدى إلى اعتناق الإسلام من قبل الكثيرين، وخلقت نوعًا من التكتل بين معتنقيه، وكذلك رفضًا كبيرًا لتلك الدول واستعدائها، كما أنها أنشأت تيارًا جديدًا يؤمن بأن العنف لا يرد إلا بالعنف، والتطرف لا يرد إلا بالتطرف، فبذلك تأكد لهم أن عليهم التوجه بطريقة يكون لها تأثير في العمق الفكري للإسلام؛ ما يؤدي إلى تحييده عن مساره الصحيح وخلق مسار جديد للمسلمين للسير عليه تحت عنوان "الفهم الصحيح للإسلام".

وتكون الدول الغربية هنا هي المقياس والمُقَيّم لما هو إسلام صحيح وما هو إسلام متطرف، والذي عبر عنه الرئيس الأميركي باراك أوباما بقوله: إن بلاده "ليست في حرب مع الإسلام، بل مع أولئك الذين حرَّفوا وشوَّهوا الإسلام" معلنين بذلك أن من سار ضمن الإسلام الذي يريدونه فهو على مسار الإسلام الصحيح الذي لا يجب محاربته أو إكنان العداوة له.

إن تلك المحاولة الغربية تنضوي في تحييد الإسلام ومبادئه عن الحياة السياسية والحياة العامة بشكل مجمل لينشأ عنه ما يسمى "بالإسلام التعبدي"، وهو حصر الإسلام في المساجد ودور العبادة بحيث تنحصر أفكار أبنائه في الأحكام التعبدية للإسلام -وهو ما تعتبره تلك الدول الفهم الصحيح للإسلام ولا تُكِنّ له أي عداء- وفي المقابل لا يفقهون في الأحكام السياسية والاقتصادية والاجتماعية، ولا يعلمون أن الإسلام هو أسلوب ومنهاج للحياة ويجب أن ينعكس على جميع تلك الجوانب لخلق حضارة إسلامية والتي يعلم الغربيون امتلاك الدين الإسلامي لكامل المقومات لإقامتها.

إن هذه المحاولة من الدول الغربية في تغيير مفهوم الإسلام لدى المسلمين لم تعد بتلك الصعوبة، فقد أصبحت المهمة أسهل من قبل وذلك من خلال التقسُّم الذي وصل إليه المسلمون اليوم والحروب القائمة بينهم والذي ينبيء عن تقسيم جديد لتلك الدول وخلق دول جديدة في إعادة جديدة للتاريخ بعد مرور مائة سنة من التقسيم الأول الذي فرض عليهم، عندها سيفقد المسلمون الثقة بقدرة دينهم على حل مشاكلهم ووقوفهم عاجزين فكريًا وماديًا أمام الغزو الفكري والمادي الغربي، وقبول كل ما يملي عليهم الغرب ليستمروا في مستنقع التخلف والضعف والتبعية، ولن يكون للمسلمين من خلاص إلا بالعودة إلى منهاج الإسلام الصحيح والانطلاق منه نحو نهضة إسلامية شاملة.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.