المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

عبدالرحمن هاشم Headshot

سياسة القطيع و"بطَّل فلسفة"

تم النشر: تم التحديث:

"سياسة القطيع"، مصطلح يُطلق على سلوك الأشخاص في الجماعة عندما يقومون بالتصرف بسلوك الجماعة التي ينتمون إليها دون كثير من التفكير أو التخطيط، وسياسة القطيع تجعل الناس أَسرى لفكرة اليونيفورم (uniform)، وهي سياسة الزى الموحد.

أحياناً، مثلاً، تجد نفسك تصفق فجأة مع الجمهور في ندوة مهمة أو مسرحية هادفة، رغم أنك سرحت بُرَهةً ولم تسمع بوضوحٍ سبب التصفيق! وكذلك الحال، ربما تصرخ واقفاً على مدرج مباراة كرة قدم مع الجمهور عند تسديد هدف رائع مع أنك لم تشاهد الكرة تدخل فعلياً شباك المرمى. إنها عقلية القطيع التي تتحكم في بعض تصرفاتنا.

وقد أظهرت بالفعل دراسة لجامعة ليدز البريطانية السبب الذي "يدفع مجموعات من البشر لتقليد البعض بصورة لا واعية، تماماً مثلما تفعل الأغنام والطيور"، حيث تبين أن "5 في المائة من البشر يؤثرون على 95 في المائة من توجهات هذه الأغلبية من دون أن تشعر".

وفي إحدى التجارب العلمية، طُلب من مجموعات كبيرة، السير في قاعة فسيحة جداً، وأن يكونوا على مسافة ذراع واحدة من الآخرين، شريطة ألا يُسمح لأحد بالتحدث مع أحد ولا حتى إبداء أي إيماءة جسدية.

وتم تزويد مجموعة محددة من المشاركين سراً بمعلومات عن خط سير الرحلة داخل القاعة، ثم تبين أن من لم يكن لديهم معلومات كانوا يسيرون بتلقائية خلف من تم إخبارهم بخط السير.

عقلية القطيع تطرد المبدعين والمفكرين والأقوياء والشجعان؛ لأنه لا مبدع ولا مفكّر ولا قوي ولا شجاع يرضى بأن يتم تصنيفه مع النمطيين والجهلاء والضعفاء والجبناء... وأمان القطيع أمان وهمي، والطبيعة دائماً ترينا صوراً من ذلك.. ولمن لم يرَ ذلك من قبل فليشاهد قناة "عالم الحيوان"!

ولم يعد بوسع من يستنكرها أن يرفضها أو يتملص منها، لسبب بسيط؛ وهو أنها وفرت للجميع مهرباً لائقاً لتفسير السلوك العام بكل نقائصه، وطريقاً لرفع اللوم عن ممارسات معينة، بحيث لو أنك سألت أحدهم: لماذا فعلت هذا؟ لجاءت الإجابة على الفور: والله، يا أخي، حالي حال الناس!

لماذا بعنا عقولنا بثمن بخس، واشترينا بالغالي عقلية القطيع، حتى أدمنّا الاستسلام والخنوع والذل، فلا ثقافة إلا ثقافة القطيع، ولا فكر إلا فكر القطيع، ولا عقلية إلا عقلية القطيع.. فكِّر بأسلوبك واخرج عن القطيع.

من سمات القيادة الجاهلة في أي مؤسسة أو بالبيت، أنها إذا تحدثت مع مدّعي الثقافة بعمقٍ بعض الشيء، تُفاجأ بتهكمه بمقولة "بطَّل فلسفة". وكأن الفلسفة هي الكفر بعينه! وكأن الفلسفة هي وسيلة لتأخير الشعوب وتدميرها!

اختلافكم هو سبب إبداعكم، وإبداعكم يقلقهم؛ لذلك يحاولون دائماً ضمكم إلى القطيع.. يغيّبون عقولكم بمخدراتهم، ويجعلونكم نمطيين تفكرون في اتجاه واحد.. لكم الاختيار الآن أو أبداً.. اخرجوا من القطيع، تساءلوا وابحثوا عن كل شيء وأي شيء، كونوا أنتم لتصبحوا أفضل، وإن تغيير عقلية القطيع يحتاج إلى حكماء العقل. وليس حكماء الكراسي.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.