المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

عبدالرحمن هاشم Headshot

نتداعش كما نتكاثر

تم النشر: تم التحديث:

قانون التزاوج هو قانون كوني عام، فلا إنجاب ولا تكاثر إلا بالتزاوج، وليس توالد الأفكار استثناء من هذا القانون العام، فالتزاوج هو الشرط المبدئي لاستمرار الحياة وتكاثر الأحياء، وهو الضابط لحركة الأجسام والكواكب والذرات، وهو الفاعل لنمو العلوم والفنون والمهارات، وهو العامل المحرك لازدهار الحضارة وتقدم الإنسانية، فالتجاذب والتنافر والإيجاب والسلب والذكورة والأنوثة والصراع بين الأفكار المختلفة والمتعارضة ليست سوى العناوين الرئيسية لتجليات هذا القانون الكوني الشامل.

وليس توالد الأفكار استثناء من هذا القانون العجيب، ولكنه أشدها خفاء وأكثرها أهمية، فلا اتساع لآفاق الإنسانية، ولا تطور للعلوم والتقنيات ولا ازدهار للفنون والصناعات، ولا ارتقاء للإدارة والسياسة، ولا نماء للثروات والموارد، ولا تقدم للحضارة والثقافات، ولا استثارة لقابليات الإنسان الإبداعية على مستوى الأفراد والجماعات إلا بتزاوج الأفكار.

قد تبدو لك أنها مقدمة علمية بعض الشيء، ولكن هنا يكمن لب الموضوع.

لقد أصبح متداولاً استخدام كلمة "دواعش" للدلالة على الأشخاص الذين يطرحون رأياً ويرفضون غيره من الآراء ويمارسون إقصاء الآخر وتسفيه شخصه دون رأيه مستخدمين ما استطاعوا من وسائل وأساليب.

ولكن ماذا عن "الدواعش فكرياً"؟

الدواعش الآن يرتدون آلاف الأقنعة، فتجد منهم الأدباء والمفكرين والسياسيين ورجال الدين، بل والفنانين! فرجل الدين الذي يحرض طائفة على أخرى داعشي، والسياسي الذي يمجد ويكذب ويدافع بدون أسباب منطقية ويسب وينتقد ويحرض على الفتن داعشي.

ومن يصر على أن الدين ينحصر فقط في ملابس تخفي الوجه ورجل يطلق لحيته ويرى أن المرأة شيء خلقه الله لإثارة فتنة الرجل فقط، وأنها سبب فساد الأرض منذ بدء الخليقة داعشي.

قتل المخالف هو الثابت في العقل العربي، أما المتحول فهو شكل القاتل ومرجعيته الفكرية وأسباب القتل، فهناك قتل على الهوية تقوم به المذاهب والطوائف الدينية، وهناك إعدام المخالفين للدولة القومية وهناك أعداء لديكتاتورية البروليتاريا، وهناك ضحايا خلاف الفكر الواحد والرفاق المنضوين تحت نفس الراية أو الفكرة، ومنذ حادثة الفتنة في معركة الجمل وحتى يومنا هذا والقتل مجاني للمخالفين، وعادة ما تبدأ الأنظمة الحاكمة عهدها مع المخالفين بتنزيلات وعروض للقتل لدرجة المجاني.

لا يملك العقل العربي ثقافة الحوار ومهارة الاختلاف؛ لأنه بالأصل لم يمتلك أدوات حسم الصراع والخلاف الحضارة، فهو لا يملك إلا عضلاته للحصول على حقه أو ما يفترض أنه حقه، كذلك لم يتعود العقل العربي أن يمارس النقد الذاتي حتى لو بين أتباع الفكر الواحد والنهج الواحد، فأكثر ضحايا الفكر الديني هم ضحايا الكهنة والقساوسة، وأكثر ضحايا المسلمين من ضحايا الحروب الأهلية وحروب الطوائف والممالك، وتصفية القوميين نجحت بأيدي القوميين وكذلك اليساريين.

وفي السياق أيضاً، فإن البطولة ليست أن تخرج على الناس لتنال من معتقداتهم، وتشتم كيفما تشاء، فإن ذلك يوازي ما يفعله الدواعش إنسانياً، وحضارياً، ويؤسس لفكر داعشي بشكل آخر، فكر إقصائي ينخر في المجتمع أكثر مما يفعل الدواعش أنفسهم، فأولئك انكشف أمرهم ولفظهم المجتمع وبات الجميع يعرف مَن هم ودورهم في تشويه المعتقدات، فيما البعض بات يتكئ على مهاجمة "داعش" والتعميم على الجميع، ورفض كل مَن يختلف معهم في الرؤية، أو لديه زاوية أفق مخالفة لرؤيتهم الفكرية والإقصائية.

حقاً لم يعد الدواعش فقط أولئك المتواجدين في الرقة والموصل وسرت، وفي جحور أخرى مختبئين فيها فهم أيضاً مَن يقومون بالمغالاة في نقد قناعات الناس، والتعرض لأديانهم ومعتقداتهم، هو فعل داعشي يصب في خانة خلق فرقة بين الشعب الواحد، ويصب الزيت على نار خلق فتن طائفية ومذهبية نحن في غنى عنها.

لا تدّعوا أن داعش من اختراع أميركا طالما داعش متواجدة في كتب المدارس وفي نفوس واضعيها ومدرسيها ودارسيها، فلا تتوقعوا جيلاً أفضل.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.