المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

عبدالرحمن عباس  Headshot

اللاجئون السوريون بين مطرقة الحرب وسندان المجر

تم النشر: تم التحديث:

في 23 أكتوبر/تشرين الأول عام 1956، دعا الطلاب المجريون إلى مسيرة حاشدة في العاصمة المجرية بودابست، مطالبين بإنهاء هيمنة وسيطرة الشيوعيين وضد البيروقراطية الحاكمة وانتهاكات القوات السوفيتية، ومطالبين بالإصلاحات السياسية والاقتصادية والزراعية، وسن قوانين للحريات النقابية والانتخابات الحرة النزيهة، ونجحت تلك المسيرة في حشد مائة ألف متظاهر في اليوم الأول، وخلال عدة أيام، و في يوم 25 أكتوبر/تشرين الأول انضم العمال إلى الطلاب، وأعلنوا الإضراب العام ومواجهة النظام، وتحول كل من كان يعادي تلك المسيرة في البداية إلى مؤيد لها، بعد اقتناع الجميع بضرورة مواجهة سوء الإدارة، وانضم الجنود المجريون المرسلون لقمع الانتفاضة إلى صفوف الثوار من الطلاب والعمال، حتى انتشرت روح الحراك الثوري في دول المجر بأكلمها وليست بودابست فقط.

لجأت قوات الاتحات السوفيتي من اليوم الثاني للثورة المجرية، إلى حشد قوتها والذهاب إلى بودابست من أجل الحفاظ على سيادتها، بعد أن شعرت بتهديد حقيقي لفقدان سيطرتهم على المجر، وبادرت بإرسال ما يقرب من 6000 دبابة و150 ألف جندي، قاوم حينها ولعدة أسابيع المتظاهرون وبعض المسلحين المجريين طوفان الدبابات الروسية، حتى أذهلت تلك المقاومة الجنود الروس وشعروا بالتعاطف وروح التمرد، ولكن استبدلت روسيا قواتها في الهجوم الأول وأرسلت قوات جديدة لم تصمد أمامها أطياف الشعب المجري، وانتهي المشهد الذي دام لمدة 13 يوما وقوة الدبابات الروسية مكتسحة المجريين، وداست عجلات الدبابات فوق طلاب وعمال وجنود تلك الثورة، وانسحق التمرد..

خلفت عدوان القوات السوفيتية على الثورة المجرية، تدفق مئات الآلاف من اللاجئين هرباً من رصاص السوفيت وجنازيرهم، وكانت موجة اللاجئين حينها مثال للهجرة واللجوء السياسي، وأولى الأزمات الكبرى بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، واتجه اللاجئون صوب أوروبا الغربية، وكان الرجال والنساء والأطفال يسافرون في شاحنات وجرارات وعربات أو سيراً على الأقدام من المجر إلى النمسا التي لم تكن على استعداد سواء من حيث الموارد أو البنية التحتية لاستقبالهم، وذلك بعد مرور عشر سنوات من الاحتلال من قبل قوات الحلفاء، وتلقي سيادتها الكاملة في مايو 1955، ولكنها قامت بدور إيجابي في إيواء اللاجئين المجريين، لتكون بمثابة المركز الأول للجوء ومركزا لجمع اللاجئين تمهيدا لمزيد من التحرك إلى بلدان أخرى، وأعلن وزير الداخلية النمساوي أوسكار هيلمر في يوم 26 أكتوبر/تشرين الأول 1956 وبعد مرور 3 أيام فقط من اشتعال الثورة المجرية، بأن اللجوء سيُمنح لجميع اللاجئين المجريين، بغض النظر عن الأسباب التي دفعتهم لترك وطنهم.

تلقى كل لاجئ ما لا يقل عن 2400 سعرة حرارية من التغذية اليومية، وملابس نظيفة مع مصروف يومي، منحت أيضاً أدوات التجميل وعلب السجائر، بنيت بعض المرافق الصحية وتم توفير الرعاية الطبية، وفتحت المباني المدرسية في المحافظات النمساوية كمنزل للاجئين، كما تكاتفت جميع منظمات الإغاثة للمساهمة في تلبية الاحتياجات الثقافية والدينية المتنوعة للاجئين ووسائل الترفيه من الراديو والجرائد والأفلام، وتنظيم دورات في لعبة كرة القدم والباليه ودروس الرقص والفرق المسرحية، كما نظمت فرق موسيقية صغيرة، وحفلات للأدب المجري، ونشرت الصحف في مختلف المحافظات النمساوية معلومات لإبلاغ اللاجئين حول الحقوق القانونية، وقانون اللجوء، وإمكانيات الهجرة إلى بلدان أخرى.

بعد عدة أسابيع من الحدود المفتوحة بين المجر والنمسا، ومع عبور يومي لأكثر من 3000 لاجي، أرسلت السلطات النمساوية برقية إلى سفارتها حول دول العالم لطلب المساعدة والتدخل بعد أن زادت أعداد اللاجئين وتجاوزت الهجرة الجماعية كل الحسابات، وفي منتصف نوفمبر/تشرين الثاني تم توزيع اللاجئين بين مخيمات مختلفة في جميع أنحاء البلاد، وتم إعادة توطين اللاجئين المجريين في 37 بلداً، أبرزها ألمانيا وكندا وأميركا وبريطانيا العظمى، وفي مايو 1957 أكد وزير الداخلية النمساوي أوسكار هيلمر، أن بلاده حققت سمعة طيبة وانطباعاً جيداً واسماً بين دول العالم بسبب مساعدتها لللاجئين، واعترف الجميع بجهودها الإنسانية على نطاق العالم في حل أزمة اللاجئين المجريين.

الآن وبعد مرور مرور 59 عاماً على الثورة المجرية، وقبيل حلول الذكرى السنوية لها، أدهش الجميع خبر موافقة البرلمان المجري على المذكرة التي اقترحتها الحكومة اليمينية بتفويض عناصر الجيش للتعامل مع أعداد اللاجئين السوريين المتدفقة عبر الحدود، وضد أي محاولة لاختراق الأسلاك الشائكة، باستخدام الرصاص المطاطي وقنابل الغاز المسيل للدموع وبنادق الصيد بالشبكات، والتي أيدها 151 عضواً من أصل 199 عضواً بالبرلمان، وبالتزامن مع تصريحات رئيس وزراء المجر بأن اللاجئين يهددون مسيحية أوروبا، وأن حماية القارة العجوز واجب تاريخي وأخلاقي على المجر، بالإضافة إلى اقترحات الاتحاد المدني المجري باستخدام القوة المفرطة ضد اللائجين الفارين عبر القارات من جحيم الحرب الدامية لمدة 4 سنوات، والتي قضت على الأخضر واليابس وشردت الملايين وليس الآلاف.

الآن تنكر المجر تاريخها، ويظل الغرب كعادته في التعامل بإنسانية انتقائية، تتحدد عن طريق الأهواء، إنسانية تفرق بين العرق والجنس واللون والدين، لقد وقف العالم مع أزمة اللاجئين المجر عقب الحرب العالمية الثانية، وجاء الدور عليها لترد جزءاً بسيطاً من الإنسانية التي عوملت بها، ولكنها أدارت ظهرها للسوريين، وسنت عليهم القوانين وفرضت السياج الأمني وبنت حولها الأسوار، وألقت لهم الطعام في صورة مذلة، لم تقدم لهم أنصاف أو حتى أرباع المساعدة التي حظي بها المجريون من النمسا رغم مرور سنة واحدة على استقلالها آنذاك، لم يشفع للسوريين غرق الآلاف عبر البحار واضطرار العائلات لرمي أطفالهم عبر قوارب الموت، وكأن المجر كتبت مشهد النهاية للإنسانية، وعلى الجميع أن يعرف أن الموت أرق قلباً من هؤلاء.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.