المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

عبد القادر زينو Headshot

اللغة والهويّة دعوة لإعلان الحرب على العاميّة

تم النشر: تم التحديث:

كان العرب قبل الإسلام يعيشون مكتفين بأنفسهم، بعيدين عن التأثر بفارسَ والروم، ولم يكونوا يعرفون اللحن في الكلام أو الخطأ فيه، إلى أن جاء الإسلام واتسعت الفتوحات في عهد الخليفة الراشد عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- ومن بعده بلغت الفتوحات أوجها في عصر الخلافة الأموية، فاختلط العرب بالعجم والموالي في البلاد المفتوحة، واختلط الصريح بالهجين، فكانت الحاجة لأنْ يتعلم هؤلاء النّاس العربية ليتعلّموا الدين والقرآن والحديث، ما أدى إلى تفشي جرثومة اللحن في الكلام العربي وقد ذكر الجاحظ طُرفةً عن هذا فقال عن رجل يتكلم عن أمّ ولد له:

أوّل ما أسمع منها في السّحر
تذكيرها الأنثى وتأنيث الذكر
والسوءة السوءاءُ في ذكر (القمر)

فكانت إذا أرادت أن تقول (قمر) قالت (كمر)، وكانوا يَعدّون اللحن عيباً ومنقصةً، عَنِ الأصمعي، قَالَ: أربعة لم يلحنوا فِي جد ولا هزل: الشعبي، وعبد الملك بْن مروان، والحجاج بْن يوسف، وابن القرية. والحجاج أفصحهم قَالَ يوما لطباخه: "اطبخ لنا مخللة، وأكثر عليها من الفيجن، واعمل لنا مزعزعًا".

فلم يفهم عنه الطباخ، فسأل بعض ندمائه فقال له: اطبخ لنا سكباجًا، أكثر عليها من السذاب، واعمل له فالوذًا سلسًا. قَالَ: وقدم إليه مرة أخرى سمكة مشوية، فقال: له "خذها ويلك فسمنها وارددها". فلم يفهم عنه، فقال له نديمه: بردها فإنها حارة!

هكذا فشا اللحن وانتشر في البلاد الإسلامية إلى أن انتشرت اللهجات المحليّة حتّى في الأوساط التعليمية! فإننا ندعو هنا إلى إعادة الاعتزاز والتمّسك بالعربية الفصيحة. ونقول العربية الفصيحة، لا الفصحى العالية، بل اللغة السليمة السهلة، وكثيراً ما يتهكّم العامة بالفصيحة عندما يتكلّم أحدٌ بها سواءٌ من العرب الغيارى أو الأجانب، وقد يقولون هل تريد أن تعيدنا إلى عصر أبي جهل وأبي لهب! فهم في الحقيقة لا يسخرون إلا من أنفسهم وهويتهم وهذا يدلُّ على شعورهم بالمهانة الحضاريّة، ففي ألمانيا لا يتكلم معكَ الألمانيّ إلا بلغته وفي تركيا يفضل التركيّ الذي يعرف الإنجليزية أن يتكلم معك بالإنجليزية على أن تتكلمَّ بتركيّة ركيكة ثُمَّ بعد هذا كلّه يتكلّم رئيس دولةٍ عربية مع دول أوربيّة استعماريّة مُحتلة بلغة هذه الدولة دون أن يتكلم بلغته ويكلِّف خزينة الدولة أجرته!

ومن المهانة الحضارية التباهي بالتكلم بالمصطلحات الأجنبية بين العرب أنفسهم! وهذا ليس جديداً فقد تكلّم ابن خلدون على أنّ العرب في الأندلس كانوا يقلّدون الأمم الأوربيّة في كلامهم وعاداتهم وتقاليدهم!

و من المصائب الكبرى الكتابةُ بالعاميّة كما نرى على وسائل التواصل الاجتماعي، بل حتى في بعض بلدان التخلّف العربي إذ يطبعون وينشرون الكتب بـ(العاميّة) وهذه من كبرى الدواهي وأشدّ من ذلك كتابتُهم اللفظ العربي بالحروف والأرقام الإفرنجية فأيّ ضياعٍ وأي رَزيّة!

الحل والخلاصة:
أنّه لا نهضةَ لنا إلا بتمثّلنا لحضارتنا وهويتنا الإسلاميّة وشدّة وعينا واعتزازنا بها، ومن هذا التمثّل: تدريب اللسان على استعمال الفصيحة في المحافل العامة ناهيك عن التعليمية، والاعتزاز بهذه اللغة وتعظيمها فهي التي اختارها الله لتوصيل كلامه.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.