المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

عبد القادر زينو Headshot

عن اللغة والهوية والقابلية للاستعمار

تم النشر: تم التحديث:

سألته: لماذا تتعلم اللغة الإنجليزية؟
فأجاب: لأنّها لغةُ العلم.

فأردفت: ماذا تعرف عن لغتك العربية، علومها وآدابها وصرفها ونحوها وبلاغتها وبيانها؟
فأجاب: بقي ما أتذكره من أيام المدرسة، ثم إنّها لغةٌ صعبة ومعقدة، بينما الإنجليزية لغة العلم، كما قلت لك، واللغة الأكثر انتشاراً.

قلتُ معقبّاً: تقصد لغة الأقوى والأكثر توحشاً هذا أولاً؛ لأنها انتشرت بالمدافع النارية والمصفحات الحديدية التي مشيت فوق أنقاض وجثث البلاد التي احتلوها -العفو- أقصد نقلوا إليها حضارتهم وعلومهم ومعارفهم، وثانياً ما الذي يمنعك من أن تجعل لغتك، اللغةَ العربية لغة الوحي، لغة القرآن والسنة اللغةَ الأولى، لغةَ العلم، ما الذي يمنعك من أن تجعلها اللغة الأكثر انتشاراً في العالم؟

فقال: هذا شأنُ المختصين.

فاستدركتُ: تفكيرك هذا هو الذي أدى إلى ضعف صورة اللغة العربية وخفوت ألقها وتوهجها، هذا التفكير هو تفكير تواكلي تملّصي من الواجبات المحتمَّة على الفرد من أجل نهضة أمته ولغتها، لي سؤال لكَ: ما هو أول انطباع تجده في نفسك عندما تسمعُ أحداً يتكلم العربية الفصيحة؟

ماذا تقول عنه؟ ماذا تحسَبه؟ ألا تقول في قرارة نفسك باستخفاف قد يكون "شيخاً" أو "طالبَ علم شرعيّ"، "مسلمٌ أجنبيّ"، أو بانبهار "مستشرق غربيّ"؟ ماذا لو وجدت أحداً يتكلم الفصحى في الأزقة والطرقات والمساجد والأسواق؟ ماذا تقول عنه؟ متخلف، أو قد تقول إنه متكبر في أحسن الأحوال.

فأجابَ متعجّباً: نعم، هذا صحيح.

فاستأنفتُ سائلاً: وما هو انطباعك الأوَّلي عندما تسمع ما تظنه لغةً إنجليزية بصوتٍ أجش بلهجة أميركية؟ ماذا تشعر حيال هذه اللغة والحضارة معاً، بالإتقان؟ بالعلميّة؟ بالتقدم التقني؟

فأجاب مندهشاً: نعم، نعم، هذا صحيح.

فتساءلت: أتعرف لماذا يا صاحبي؟ هذه الحال الكارثية التي وصلنا إليها هي نتاجٌ لأمرين اثنين:

الأول: لا أقول قابليتُنا للاستعمار (التدمير والوحشية)، بل استمراء أكثرنا للاحتلال وأدواته وانبهارنا بجوانب إنسانية من حضارته لا تغطي مهما كثرت سوءات ضلاله وعمهَه، وطغيانه وجرائمه التي ارتكبها بحق البشرية.

الثاني: استخفافنا واستهانتنا بما عندنا، استخفافنا بفكرنا، استخفافنا بثقافتنا، -حاشا الاستبداد- لدينا أشرف لغةٍ، ولكن بالمقابل لدينا أقل الكتب كمّاً ونوعاً، لدينا أشرف لغة، لكن بالمقابل نتكلم بالعاميّة التي لا تفتأ تسوء وتسوء وتسوء وتشوّه رونق العربية.

لدينا أشرف لغة، ونتذمر من قواعدها، أو التكلم بها، ولا نبذل أقل جهد لفهمها أو تطويرها، وتطوير الدراسات القائمة على تعليمها، لا يرقى جهدنا المبذول في تعلّم وتعليم لغتهم مِعشار جهدهم في تعلّم اللغات الأجنبية الأخرى، بينما يرفض الألماني في ألمانيا أن تحدّثه بغير لغته، ولو كان يعرف اللغة الأجنبية التي تحدّثه بها، ويربأ التركي بلغته أن تتكلم لغته بطريقة ركيكة، بينما نحن نبدع في تشويه لغتنا وإضعافها.

ففكّر وقال: إذن ماذا تقول في المصطلحات الأجنبيّة للمختَرعات؟ هل يُمكن تعريبها؟

فرددتُ: نعم، يُمكننا تعريبها، وهذا دأب الخاملين، لكنِ العاملين هم الذين يُبدعون المُختَرعَاتِ وأسماءها، أليس من الأفضل أن ننشغل في إيجاد هذه المختَرعات عوضاً عن تعريب أسمائها، ولو قال قائل: إنّ العربية قاصرةٌ عن تدريس الفروع العلميّة لوجد في الجامعات السورية خلافَ ذلك، ويحلو لي أن أستشهد بقول الشاعر الصقلّي اجنازيا بوتينا، إذ يقول:
"ضَعْ شعباً في السلاسلْ
جرِّدهم من ملابسهمْ
سُدَّ أفواههم.. لكنّهم ما زالوا أحراراً
خُذْ منهم معاملاتهم وجوازات سفرهمْ
والموائد التي يأكلون عليها
والأسرّة التي ينامون عليها
لكنّهم ما زالوا أغنياء
إنّ الشعب يَفْتَقرُ ويُستَعبد
عندما يُسلَبُ اللسانُ
الذي تركَه له الأجداد
وعندها يضيع إلى الأبد".

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.