المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

عبد الرحمان بوخفة Headshot

في نقد الحركة الثقافية الأمازيغية.. من أجل تجاوز كدمات التاريخ!

تم النشر: تم التحديث:

لقد نشأت الحركة الثقافية الأمازيغية وتطورت كرد فعل متأخر على زمن طويل من التهميش والإقصاء الذي طال المكون اللغوي والثقافي الرئيس في منطقة شمال إفريقيا، وإذا كانت لهذه اليقظة المتأخرة حسناتها، وهي التي اخترقت جدار الصمت بسرعة غير متوقعة في نظام اجتماعي وثقافي وسياسي عصيّ على الخلخلة، فإنها مع ذلك ظلت حتى اليوم رهينة جراح التاريخ، وهي تعطي الانطباع لمناهضيها على أنها تريد رد صاع الضياع صاعين، وهذا هو الخطأ الاستراتيجي والمستنقع الذي ما زالت تتخبط فيه، ولن يكون بمقدورها التحول نحو تثبيت أحقيتها التاريخية بغير الخروج من هذا المطب، إن هذا المأزق السياسوي الذي تورطت فيه بعدم فصل شقها السياسي عن الثقافي؛ لكي يناضل كل واحد منهما في حلبته الخاصة به، أمر يهدد تقدمها نحو أي اختراق حقيقي في منظومة ثقافية متصلبة ومعقدة. فتغليب السياسي على الثقافي، وإن كانا متكاملين ويدفعان ببعضهما البعض في الإطار الشمولي والنسقي العام، أمر لا يخدم التطور الذي من المفروض أن تأخذه الحركة. فالسياسي بقدر خدمته للثقافي أيما خدمة، وبقدر ما يستحيل على الثقافي الكينونة أصلاً بدون دفع السياسي ووجوده خلف، بقدر ما قد يكون الأخير سبباً في شل حركة الأول.

إن اختزال الثقافي في السياسي أو تغييبه لأن السياسي يقوم مقام الاثنين أو تأجيله إلى أن ينهي السياسي مهامه التاريخية في التغيير، لخطأ استراتيجي جسيم ترتكبه الحركة الأمازيغية اليوم.

وإذ يهمني الشق اللساني والثقافي، أترك لرفاق آخرين الدلو بدلوهم في الشق السياسي أخذاً بعين الاعتبار الأمور السالفة الذكر.

إن قطع الوعد بإحياء لغة وثقافة ضاربة في أعماق التاريخ كابدت لتصل إلينا -لحسن حظ البشرية - يلزمنا بالأخذ بيدها نحو بر الأمان وهي المنهكة بعوامل الزمن وكدمات التاريخ.

لقد خرجت إلينا وهي تحمل جروحاً ورضوضاً يصعب على جراح تجميل لوحده أن يخفيها، لقد تعرضت هذه الثقافة لكل أنواع التنكيل والإقصاء، لقد عاشت في سجن كبير لقرون عديدة حتى أضحت لا تعرف شيئاً عن العالم الواقع خارج أسوار سجنها، فهذا العالم غريب عنها كما هي غريبة عنه، وهذا ليس شأنها في شيء، فهو عيب من قالوا إنهم مثقفون من صلبها، فكيف للغة يتحدثها على الأقل 30 مليون شخص إلى اليوم، رغم الحصار والانحسار الثقافيين، أن يجهل عنها العالم كل شيء.

إنه خطؤنا كما هو خطأ العالم أجمع، فعندما نسمع بسياسات لحماية لغات، يتحدث بها بضع عشرات، من الانقراض، نسائل أنفسنا كما نسائل العالم عن موقع اللغة الأمازيغية في الخارطة اللسانية والثقافية الكونية، وإذ نساند جميع اللغات المهددة ولغات الأقليات على المستوى الكوني، فإننا نبدأ من عقر الدار أولاً.

إنه بدون رؤية ثقافية نسقية وشمولية لمسألة النهوض الثقافي الأمازيغي، لا يمكننا تجاوز مأزقنا الثقافي في أي زمن منظور.

أستحضر هنا مساهمات مايكل كرونين، اللساني والمترجم وعالم الدراسات الترجمية والمناضل الثقافي، من أجل الحفاظ على اللغة الأيرلندية في مقاومتها لهيمنة اللغة والثقافة الإنكليزية عندما يقول: "يجب على لغة الأقلية أن تتطور لخدمة جميع مناحي الحياة وليس فقط للتخفيف عن الأنا الجريحة من الخسارة والضياع التاريخيين"، إننا اليوم أمام مسؤوليات تاريخية تستلزم منا اتخاذ قرارات جريئة وإجرائية حتى نتجاوز مرحلة النحيب وننطلق في مرحلة البناء الثقافي الشامل.

وددت لو لم أكن ملزماً بالدخول في نقاش الحرف المعتمد "ثيفيناغ"، لكن نقاشه أمر لا بد منه إذا أردنا أن نبحث إشكالاتنا الحقيقية ونقوم بتحييدها في طريقنا نحو الخروج من نفق الانتقال من الاعتماد إلى التعميم، أو إعادة الأمزغة، كما أحب أن أسميها، وكم يحس كل أمازيغي بالاعتزاز بالانتماء لذلك الخط الأمازيغي الأصيل ثيفيناغ، فهو يعبر عن التفرد الهوياتي الأمازيغي الضارب في أعماق التاريخ، وكم كنت شخصياً من أشرس المناصرين لاعتماده، لكن الأسئلة المؤرقة التي تطرح نفسها اليوم بإلحاح؛ هل نحن مستعدون للتضحية ببضع سنين أخرى حتى ينمو الطفل (ثيفيناغ) المنبعث من رماده لكي نبدأ التغيير الحقيقي؟ ألا يخيفنا هاجس الردة على مكتسب أخذ منا وقتاً من الزمن؟ ألا نريد أن نعيش لحظة التاريخ وهي تكتب أمام أعيننا ونغادر من هنا ونحن مرتاحي البال بعودة ثقافتنا؟ ألا نخاف من التحديات الإقليمية والدولية وقدوم سيول الهيمنة الإنكليزية والعولمة الثقافية التي لا تُبقي ولا تذر، وقد نكون أسهل ضحاياها ونخلف بذلك وعدنا مع التاريخ؟ أليس من العقل التضحية المرحلية بشيء من أجل أشياء؟ وأن يعز علينا قول هذا، فإن البراغماتية تفرض علينا القيام بتضحيات مؤلمة حتى لا نسقط في شرك الجمود حتى قبل أن نبدأ، وهو مراد اللاعبين الإقصائيين. يفترض فينا أن نظل يقظين حتى لا نمضي حياتنا نتلذذ بطعم المصيدة، أي نعم، نقول باستيراد الحرف اللاتيني تكتيكاً مرحلياً حتى نثبت على أقدامنا ونراكم التجربة وننضج ثقافياً، وأعني بالنضج الثقافي المراكمة في جميع المجالات ومن الجميع، والمرحلة الأولى هي الانخراط الجدي للسانيين في التسريع بعملية التقعيد والتوحيد.

بعد هذا ننطلق في مشروع ترجمي شامل وهائل من أفلاطون إلى فوكو، إلى الآداب والعلوم الحديثة والتكنولوجيا حتى نشبع جوع ثقافتنا، أو بالأحرى تجويعها لقرون طويلة، لكي نغنيها ونعبر بها إلى بر الأمان.

ونحن نتعلم من التاريخ، ماذا كانت اللغة الألمانية ليس ببعيد، في بداية القرن التاسع عشر؟ لقد قالها شلايرماخر، المتخصص في علم التأويل، واستمع إليه الألمان وفعلوها.

اللغة الألمانية في ذلك الوقت لم تكن سوى لغة عامية "لا تصلح وعاء للفكر" كما يحب عديمو الاختصاص اللساني وذوو القصور المعرفي والفكري القول.

لقد دخلت ألمانيا في مشروع ترجمي هائل بوَّأها المكانة التي هي فيها اليوم، وفي هذه الرؤية التي نطرحها حول الأمازيغية، لا نبدع شيئاً، ولكن نستلهم أفكارنا من غيرنا، من تجارب تاريخية شبيهة بوضعية اللغة الأمازيغية اليوم.

كذلك نعتقد بضرورة انصراف الفاعلين اللسانيين والثقافيين إلى العمل الجاد والمضني بعيداً عن الضوضاء والمعارك الجانبية التي لا تخدم الحقل الثقافي في شيء.

إن الفعل الثقافي الحقيقي يستوجب انخراطاً مسؤولاً من الجميع في الإنتاج بدل الكلام والتصريحات التي تبكي على أطلال الفرص التاريخية الضائعة، إننا نستلهم العبر من التاريخ دون أن نسقط في شرك التلذذ بآلامه.

وللأسف ما نحن متورطون فيه اليوم في الحركة الأمازيغية هو البكاء على التيه والضياع التاريخيين، أي نعم هناك بروباغندا مغذاة بالجهل والتخلف وهناك مقاومة للتغيير، لكن نتركها للسياسي كي يتكفل بمجابهتها وردها، وينصرف الثقافي لإنجاز مهامه التاريخية الكبرى.

لست أفلاطونياً يعتقد بالمدينة الفاضلة، وأعلم أن التحديات جسام، لكن الواقعية العلمية، في تقديري، لا تجانب تصورنا وطرحنا، ولنترك العدمية والتشكيك المسبق في النوايا جانباً، ولو لفترة، ونقوم بطرح هذه الرؤية لنختبر نيات أهل الحل والعقد أولاً، آنذاك نكون قد وضعنا كلاً أمام مسؤولياته.

أعود إلى مايكل كرونين هنا كي أوضح أن الرغبة في حضور الأمازيغية في جميع المجالات المعرفية ورفض التموقع في غيتو ثقافي "ايكزوتيكي" معزول يستوجب التفكير عميقاً في أهمية الترجمة في إعادة التشكيل الهوياتي والثقافي، وذلك بهدف التمكن من آليات الوجود الثقافي الحقيقي على جميع المستويات والأصعدة.

لقد حان الوقت للمرور نحو نقط التقاطع مع ما وصلت إليه البشرية اليوم في جميع الحقول المعرفية، وهذا هو المدخل الوحيد في نظرنا نحو الارتقاء الهوياتي الحقيقي.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.