المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

عبد الوهاب محمد Headshot

في البدء كانت مذبحة

تم النشر: تم التحديث:

(1)
كان من الممكن أن أحضر المذبحة من بدايتها إلى نهايتها، كان الميدان ساعتها أوسع من مساحته الجغرافية، كان متسعاً بعرض الوطن المسلوب منذ قرون، متسعاً بما يكفي لأن يكون مسرحاً لتجسيد الحقيقة التي طالما بحثنا عنها، تجسيداً شديد الوضوح والمباشرة لدرجة الصدمة التي استغرقت مني -شخصياً- وقتاً كي أستوعبها وأقرأ رسائلها.
(2)
الدكتور عبد الوهاب المسيري كان يعتبر مذبحة يهود أوروبا "الهولوكوست" تجلياً طبيعياً للمشروع الحداثي الغربي، فالمنظومة الفكرية والقيمية التي تعتبر الإنسان جزءاً من الطبيعة/المادة؛ بل ربما كان تطوراً جاء بمحض الصدفة غير الحميدة من حيوانات أقل في سُلّم الارتقاء والتطور، والمنظومة الاقتصادية التي تعتبر الإنسان أداةً من أدوات الإنتاج، يمكنهما أن تنظرا إلى طائفة من البشر باعتبارهم فائض قيمة غير منتِج يجب التخلص منه، أو باعتبارهم عبئاً على نقاء المجتمع، أو على استقرار الدولة.

فاستحلال البشر ليس عرضاً جانبياً أو نزوةَ قيادةٍ متهورةٍ في تاريخ الحضارة الغربية؛ بل هو أمر بنيوي مدمج في بِنية تلك الحضارة ولصيق العلاقة بها.

وبصرف النظر عن الإشكالات المتعددة للمسألة اليهودية والمشروع الصهيوني الاحتلالي، وكونه أيضاً ابناً شرعياً لهذه الحضارة- فقد كان الهولوكوست حدثاً كاشفاً ينبغي لدارسي المشروع الغربي التوقف عنده، حتى إن المصطلح الذي اختارته العقلية الغربية للتعبير عن المذبحة: Holocaust، وهي كلمة يونانية لا تعني مجرد "التدمير حرقاً"، ولكنها كانت في الأصل مصطلحاً دينياً قديماً يشير إلى القربان الذي يُضحَّى به للرب ويُحرق حرقاً كاملاً على المذبح.

لنبقَ مع المسيري أيضاً، حيث يكشف رمزية الدولة الحديثة في نفوس تابعيها، فهي -كما الأديان الوثنية- حالة من "الثالوث الحلولي العضوي"، حيث يحل الإله في الشعب والأرض، وبدلاً من الملك المتأله تظهر الدولة المتألهة، وهي مثل الآلهة الوثنية، آلهة عطشى تطلب القرابين من عابديها، كذلك تطلب الدولة القرابين من مواطنيها.

كهنة الدولة يمكنهم ببساطة، أن يطالبوا الناس بالموت والجوع والقبول بالذلة من أجل تحيا الدولة، والدولة هنا رمز غير مفهوم، ولا يمكن فهمه إلا في إطارٍ كالذي يطرحه المسيري (رحمه الله).

بفهم الدولة كإله والهولوكوست كشعيرة تعبُّدية، نفهم كيف ارتُكبت المذبحة، وكيف حاولت الدولة -التي تأسست وصيغت على يد الغرب- تمريرها وتبريرها، ليست الدولة هنا شخصاً نزِقاً مجنوناً مثل عبد الفتاح السيسي؛ بل الدولة التي تحركت بمؤسساتها، وتناغمت الأدوار بين القضاء والنيابات العامة والجيش والشرطة والإعلام، وصولاً إلى الراقصين على طبول المذبحة، والضباط الذين التقطوا الصور التذكارية وفي خلفيتها الجثث المحروقة.

(3)
الدولة المصرية الحديثة، منذ تأسيسها في عهد الباشا محمد علي، وهي "مشروع عنف دموي" موجَّه للمجتمع المصري بمكوناته، فلم يكن لدولة استبدادية مركزية أن تنشأ في مجتمع قوي يدير شؤونه بنفسه ويقوده علماؤه ومرجعياته الشرعية إلا بالمذبحة وقد كانت، مذبحة استهدفت إبادة الكتلة الأهم بمصر في ذلك الحين -المماليك، وتركيع من هم دونهم بعد تغييب العلماء ونفى بعضهم.

في ساعات قليلة، تمت إبادة أربعمائة وسبعين إلا واحداً استطاع الهرب، وعاثت الجنود في الأرض فساداً ودبَّت الفوضى في القاهرة عدة أيام؛ فاقتُحمت فيها بيوت المماليك، وقُتل من أهلها نحو ألف، وخُربت خمسمائة بيت، وطال التخريب البيوت التي تجاورهم.

ذهب الجنود الذين قاموا بالمذبحة إلى مذبلة التاريخ، لكن ضعف التقدم التكنولوجي وقتها لم يترك لنا صوراً تذكارية التقطها بعضهم وفي خلفيتها جثث محروقة، أو صورة أحدهم واضعاً حذاءه العسكري فوق جثة قتيل!

فرضت الدولة سلطتها وبدأت سيرتها الأولى بالمذبحة، ولذا كتبت أعلاه: "في البدء كانت مذبحة"ّ!
لكن مذبحة واحدة لم تكن كافية؛ فالدولة ما زالت تطلب القرابين كى تقوى وتعيش، الدولة لا بد من أن تكون قوية، هي الآن تريد "جيشاً وطنياً"، فليجمع الباشا أبناء الفلاحين الطيبين عنوةً وبالإكراه من قراهم وبيوتهم للتجنيد.

لم يكن الأمر هيِّناً على أمٍّ ترى ابنها يختطفه الجنود ليلقوا به حيث أراد الباشا/الدولة وحيث تمددت أغراضهم في السلطة والتوسع والهيمنة.

قاوم المصريون التجنيد الإجباري مقاومة شرسة ومبدعة؛ في عام 1924 ثار أهل الصعيد المصري ضد التجنيد الإجباري، وأطلقوا النيران على قوات "الدولة المصرية الوليدة"، قمعت الدولة الانتفاضة بمذبحة راح ضحيتها 4000 مصري، كما يوثق ذلك د.خالد فهمي في كتابه "كل رجال الباشا".

هكذا تأسست الدولة وجيشها، أو بالأحرى الجيش ودولته -كما ستصير المعادلة مع الوقت- على المذابح وعلى دماء المصريين، فكانت -ولا تزال- أكبر جريمة منظَّمة تمت على هذه القطعة المظلومة من الأرض في تاريخها الحديث.

من البداية إلى ما قبل النهاية، تستمر المذابح ويستمر عنف الدولة وبطشها، وتستمر محاولات المصريين في المقاومة، لكن "رابعة" كانت اللحظة النموذجية لهذه المواجهة التاريخية، كانت المواجهة بين قمة طهر المقاومة وقمة دنس الدولة وأسوأ وأحط ما وصلت إليه من حكام وقادة.

(3)
ثمة حاجة ماسة لفهم هذا الصراع باعتباره صراع وجود، وليس صراعاً لترسيم حدود السلطة ولا حدود السياسة بين فئتين متصارعتين، على الأقل لأن الدولة نفسها لم تعد أو لم تكن تراه هكذا!

هذا الفهم كفيل بأن يؤسس وعياً جديداً لدى الكتلة التي لا تزال مؤمنة بالثورة وهي كبيرة، ويدفع لانتهاج مسارات حركة جديدة تكافئ طبيعة مثل هذا الصراع وتحدياته. ردّ المذبحة وسيفها إلى صدر الدولة وإنهاء هذه الحقبة من حياة المصريين لن يكون أمراً سهلاً بالتأكيد، لكنها الحقيقة ودرس التاريخ والواقع يبهتنا ويصفعنا في وجوهنا؛ لدفعنا دفعاً إلى خيارات بحجم المأساة وبحجم الموقف التاريخي.

قسمت المذبحة كيان المجتمع المقسوم أصلاً؛ فاتسع الشرخ بين كتلتين؛ إحداهما تؤمن بالتغيير والتحرر، والأخرى تقبل بالاستبداد والخنوع، وبينهما حائرون، وداخل تلك الكتل بعض المترددين أيضاً.

مشهد الانقسام الكبير لم يقف عند المجتمع في عمومه؛ بل وصل إلى حركاته الفاعلة التي كانت صلبة، فاستيعاب دروس المذبحة وكيفية الاستمرار في المواجهة قسما تلك الحركات والقوى أيضاً.

لكنَّ المذبحة لم تسعف السيسي مثلما أسعفت محمد علي، ولم تؤسس لدورة مستقرة جديدة للدولة مثلما أسست مثيلاتها عدة مرات سابقة، ربما لأنَّ موارد صناعة الاستبداد مادياً ومعنوياً قد جفت في ضرع الدولة العجوز فجاء السيسي حاكماً بائساً لدولة شائخة بائسة، بصورة يمكن معها رؤية ملامح ضمور الدولة واقتراب نهايتها رؤيةً واضحةً لمن يفهم دورات التاريخ وسنن الاجتماع.

لكنه في الحقيقة، لا يمكن حتى الآن الجزم بوضوح رؤية ماذا سيخلف هذه الدولة العجوز بالتحديد؟ وما هو مستقبل المصريين؟ لكن سنن الله -عز وجل- معروفة، فقد قضى الله على عباده التدافع وجعل الحركة الكلية للقدر تعبيراً عن هذا التدافع، فبقدر ما يتطور للثورة مشروع وأدوات وقادة بقدر ما يمكننا توقع المستقبل ورؤيته لصالحنا.

هذه هي القضية، فإما أن نستطيع إتمامها وإما أن نرحل عن الدنيا شهوداً كراماً على المعركة، وشهوداً على المذبحة!

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.