المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

عبد الستار رمضان Headshot

عراق اليوم.. لا حياة للمستقلين!

تم النشر: تم التحديث:

أكبر خسارة للمجتمع وأكبر ضربة يمكن أن تحطِّم أعظم الدول، هي محاولةُ السلطة الحاكمة أو (الطبقة السياسية الحاكمة) إرغام الناس على فكر واحد وضمن قياس وتنظيم وحزب واحد، وإجبارهم، بمختلف طرق الترهيب والترغيب، على ضرورة انضمامهم إلى هذا الحزب أو ذاك وإلا فسوف يكون هناك سد مُحكم لكل الأبواب، بحيث لا يجد المرء ولو خيطاً أو ضوءاً يمكن أن يعينه في طريق الحياة.

وفيما مضى، كنا نتهرب من محاولات وضغوط الانتماء إلى حزب البعث بترديد الشعار المعروف (كل العراقيين الجيدين هم بعثيون وإن لم ينتموا)، لكننا اليوم لا نستطيع استخدامه فلا بد أن تكون لك هوية محددة أو انتماء إلى حزب ما. وحتى لو كنت مستقلاً، فإن المجتمع والناس يدفعونك إلى حضن هذا الحزب أو ذاك؛ لأنك لو كتبت في صحيفة معينة، فأنت سوف تُحسب على الحزب أو الجهة التي تدعمها، ولو ظهرت في قناة فضائية معينة فربما تكون من مُنظّري الحزب أو الكتلة أو المذهب الذي تتبعه!

والظاهر أن مفهوم اللامنتمي أو الإنسان المستقل حزبياً يكاد ينتهي ويتم القضاء عليه من كل الأحزاب الدينية والقومية والليبرالية والاشتراكية والديمقراطية، بحيث وصلنا إلى أنه يندر أن يقوم حزب ما بترشيح أو قبول تعيين شخص مستقل ما، رغم كل شهاداته ونزاهته التي يشيد بها الجميع عند النقاش والتقييم، لكنهم ينتخبون ويقررون أحداً غيره مفضولاً عليه عند القرار!

وأنقل لكم بالنص كلاماً لأحد السادة النواب في العراق، عضو لجنة التصويت على أعضاء المفوضية العليا المستقلة للانتخابات "العراق اليوم، إذا كنتَ مستقلاً -ولو كنت عبقرياً أو فيلسوفاً أو مخترعاً عظيماً- فلا تترشح لأي منصب بالدولة؛ لأن الأحزاب تفضل الجاهل والفاسد التابع لها على العالِم والنزيه من المستقلين، مفوضية الانتخابات نموذجاً".

فإذا كان هذا حال "المفوضية العليا المستقلة للانتخابات"، وهي من يُشرف ويُجري الانتخابات، فكيف سيكون حال مجلس النواب القادم، الذي يبدو أن كل "شعيط ومعيط" يمكن أن يدخله ما دام منتمياً أو محسوباً على هذا الحزب أو تلك الكتلة؟! وهو ما يظهر في مستوى وكفاءة هذا المجلس، الذي باستثناء الدورة الأولى وبعض الشخصيات المعدودة في دورات المجلس، فإنك تستطيع أن تعرف مستوى هذه الأحزاب وقيمتها وطريقة تفكيرها وقراراتها، من خلال مرشحي قوائهما والفائزين في الوصول إلى كراسي الوزارات والبرلمان.

إن استمرار الحال حسب الوضع الراهن وتشريع قانون الانتخابات بكل العيوب والظلم الذي سيُلحقه بالأشخاص والكيانات الصغيرة، التي وإن كانت تملك الكثير من المصوتين والمؤيدين لها، فإن أصواتهم بالنهاية ستذهب -كما هو مخطط- إلى الحيتان الكبيرة التي جاءت بالكثير من النكرات وفاقدي الضمير والكفاءة الذين لا يعرفون إلا كلمة "نعم" لقوائمهم وأحزابهم.

كما أن بقاء نظام الكوتا ونسبة 25 في المائة من المقاعد للعنصر النسوي، ينسف النظام والعملية الديمقراطية من أساسه، حيث لا عدالة ولا مساواة؛ بل الفائز من يرضى عنه القائد أو الحزب الفلاني، ولا حياة ولا مكان للمستقلين والمعتدلين أصحاب الرأي والموقف الحر والرأي المخالف لآراء القطيع.

مشكلة العراقيين هي سرعة إصدار الأحكام والقسوة إلى حد التطرف في تصنيف وتحديد هويات الأشخاص من دون أي معيار أو ميزان، وربما تكون في نظر البعض حزبياً أو عميلاً للحزب الفلاني وفي الوقت نفسه يصر آخَر على أنك من جماعة السيد!

وهو ما يدعونا إلى وجوب أن نتعرف على التمييز والتفريق بين الفكر السياسي لكل شخص وهو حق له كجزء من حرية الرأي والتعبير، والانتماء السياسي الذي يمكن أن يكون الشخص منتمياً أو يكون مستقلاً ليس له علاقة بالسياسة إلا من خلال الإعجاب أو التقدير لهذا الموقف أو الرأي أو القرار.

في كل الأحوال، يبدو أن العراق لا مكان فيه للمستقلين وأنه لا بد أن تكون منتمياً أو حزبياً؛ لأنه إذا ما احتجت إلى تزكية أو تقويم، فإنه لا بد من حزب أو كتلة تدافع عنك يوم لا تنفع شهادة أو تعليم إلا من كان منتمياً إلى حزب أو تنظيم!

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.