المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

عبدالرحمن زنوب Headshot

علمانية السلطة العربية

تم النشر: تم التحديث:

على مرّ الزمان، لطالما تهكّم العربي المثقف وغير المثقف من تردي أحوال البلاد العربية وتبعيتها للدول الغربية، فضلاً عن غياب روؤيتها لتطوير وبناء دولها، بالإضافة إلى عدم وجود مشروع مشترك يجمعهم سوى بيانات مجلس الجامعة العربية المستنكرة المنددة الشاجبة، إلى أن ظهر للعيان أنّ للإمارات والسعودية ومصر والأردن والبحرين مشروعاً مشتركاً، كشفته تسريبات السفير الإماراتي في واشنطن، وهو تحويل دولهم إلى العلمانية مع ما يترافق من تحجيم دور الأئمة والمشايخ، وإلغاء ما يسمى الإسلام السياسي وكل ما يبنى على أساس ديني.

لم لا؟ فأي شخص، وأي حزب، وأي نظام له الحق في تبني توجّه سياسي معيّن ورؤية لمستقبل البلاد السياسي، يسعى الجميع إلى تحقيقها عبر الانتخابات، يكون الصندوق الفيصل فيما بينهم، يجتمع الليبرالي والاشتراكي والإسلامي في يوم انتخابي طويل ينتهي بإعلان المنهج الذي ستحكم به البلاد بناءً على ما ستفرزه صناديق الاقتراع. وهنا تكمن المشكلة!

فأربع دول من التحالف الخماسي -إذا ما استثنينا الأردن- هي من أكثر دول العالم العربي قمعاً لحرية التعبير، ممنوع فيها تشكيل الأحزاب وبعضها لا ينتخب أصلاً! فكيف ستحقق هدفها الكبير؟ الدول الأربع غير مقتنعة بالديمقراطية والتنافس السياسي الحر. تحاول فرض سياستها، ليس فقط على الرعيّة، لا؛ بل على الدول العربية الضعيفة أو التي تمر بمرحلة انتقالية متعسّرة، ساهمت هذه الدول عينها في تعسّر المسار الديمقراطي بالبلاد.

إذا اعتبرنا أنّ حملات الاعتقال وتكميم الأفواه التي تشن داخل دول التحالف الرباعي شأناً داخلياً، فلماذا دعمت، وما تزال تدعم الثورات المضادة في دول الربيع العربي بالسلاح والمال وكل ما أوتوا من قوّة؟! ولو فرضنا أن تصوّرهم هو الأنسب للمنطقة، فهل يفرَض على الناس بالقوّة؟ بدعم خليفة حفتر في ليبيا ليعزّز الحرب الأهلية والانشقاق داخل المجتمع الليبي، وبممارسات الانتداب والوصاية داخل اليمن على الطريقة التي حكمت بها فرنسا لبنان وسوريا قديماً، أو على طريقة الوصاية السورية على لبنان قبل أن تنتهي سنة 2005!

والمفهوم الشائع للعلمانية ليس فقط ما يتعلق بفصل الدين عن نواحي الحياة كافة، إنما يدخل في طريقة بناء مؤسسات الدولة عبر تنحية السلطة الدينية والعسكرية جانباً وإتاحة الفرصة للفئات المدنية لحكم البلاد عبر الوسائل الديمقراطية. إلا أن التحالف الخماسي لم يتلقّف إلا الجزء المتعلق بفصل الدين عن كل شيء، وإلغاء المفاهيم الأخرى للعلمانية ليُنتج علمانية خاصة تشبه كثيراً الطريقة الأتاتوركية التي طُبّقت في تركيا بالبندقيّة والنار وتعزير حكم العسكر فيها.

ولكل من يردّد أن علمانية تركيا هي التي أنتجت أردوغان وتركيا الحديثة القوية! فهو مخطئ؛ لأن الإصلاحات التي طالب بها الاتحاد ىالأوروبي تركيا لتسهيل انضمامها إلى اتحاده والتي كان من بينها بناء ديمقراطية فعليّة وتقليص دور العسكر في الحياة السياسية والاقتصادية- أجبرت السلطة الحاكمة وقتها على تنفيذ الإصلاحات وتحسين علمانيتها لتفرز فئات جديدة هي الآن من تحكم تركيا.

وهذه لمحة سريعة عن خارطة الطريق التي اتبعتها الدول الأربع لفرض العلمانية:
شيطنة أحزاب وجمعيّات الإسلام السياسي، وتخوين المنتسبين إليهم ووضعهم على لوائح الإرهاب حتى دون أن نرى لهم دوراً فعلياً في بعض دول الخليج! فبالإمارات مثلاً وفي أعقاب الربيع العربي، بدأت حملات تحريض ضد الإخوان المسلمين بالإمارات دون أن يُعرف أصلاً إن كان للإخوان المسلمين موطئ قدم على أراضيها، ولم يتردد من أراضيها أي دعوة من قِبلهم إلى التظاهر أو القيام بأي تحرك!

حملات اعتقال لكل من لهم رأي مختلف عن السلطة، لا؛ بل لكل مؤثر بين الشباب لا يتحدّث بلسانها ويشجّع على ما تقوم به السلطة، وهذا ما ظهر جلياً في السعودية مؤخراً؛ إذ إنّ السكوت تهمة تستدعي الاعتقال!

تكريس دور العسكر في الحياة السياسية بدعمه مالياً وسياسياً وتحريضه على القيام بالانقلابات إن أمكن ذلك؛ حملات إعلامية ممنهجة ضد شخصيات دينية تاريخية؛ كي يسقط اعتبارها وأهميتها بين الشباب، لتُستكمل بدعوات لتعديل المناهج الدينية أو حتى إلغائها من فصول التعليم.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.