المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

عبدالرحمن زنوب Headshot

زمن الانقلابات

تم النشر: تم التحديث:

صراع عروش ضروس تعيشها المنطقة العربية بين القوى الثلاث التي اتفق الجميع على تعريفها، الأولى التحالف الإيراني والإسلام الشيعي في كل من سوريا والعراق ولبنان واليمن، الثانية تحالف الأنظمة القديمة الملكية والعسكرية، والثالثة تركيا وقطر والكيانات المؤمنة بالربيع العربي.

الأخيرة هي الوحيدة المؤمنة بالديمقراطية والحريات السياسية، ولأن وجودها إن وصلت إلى مواقع القرار وتمكنت من فرض ما تريد سيكسبها الشرعية الدولية والتعاطف الشعبي معها، تجد القوى الأخرى نفسها في صراع معها حتى ولو لم تطالبها الأخيرة بشيء، وما من طريق يوقف تعاظم قوتها وتوسع رقعة انتشارها إلا بالتآمر عليها وترتيب الانقلابات في كل دول الربيع ومن يدعمها، ومن الانقلابات ما نجح، ومنها ما هو قيد التنفيذ، ومنها ماهو تحت الدراسة والتخطيط، ومنها ما فشل بالفعل.
نجح الانقلاب
مصر التي يحكمها العسكر ويملي على شعبها ما يراه مناسباً هو الذي يمسك بزمام الأمور في شؤون الدولة الكبيرة والصغيرة السياسية والاقتصادية والإعلامية والتعليمية، وهو الذي بنى شبكة علاقات مع قوى الاستعمار الجديد والأنظمة العربية القديمة، كيف له أن يتنازل عن هذه العظمة بسهولة؟ ولمَن؟! وكيف لشبكة علاقاته أن تسمح بخسارة الشريك الأقدم والأعرق؟!

ولأن الربيع العربي لحظة مفصلية في التاريخ، لم يكن لأحد أن يقف أمامها، سمحت بوصول كيانات إلى سدة الحكم، ولكن من دون قوة تنفيذ! اضطر العسكر إلى التنازل قليلاً ولكن إلى متى؟! استوعب الصدمة بسرعة وسارع إلى ما تشكل خلية لاستدراج الجميع، فدعّم، وفرق وحرّض على الأخرى لمدة ثلاث سنوات، جعل من نهار مصر ليلاً، وبالعكس صحيح عاش خلالها الناس في استقطاب لا مثيل له، تمكن في لحظة تاريخية أخرى أخيراً من الانقلاب على كل ما جاءت به ثورة الخامس والعشرين من يناير/كانون الثاني، وتخلى عن الجميع، وعاد إلى سابق عهده.

اليمن التي يحكمها الفساد، والتي هي جزء من المشروع الإيراني؛ لوجود الحوثيين فيها، فكل شيعي بالنسبة لإيران هو من أتباعها، وهي الولي على أمره ستدعمه وتوصله إلى السلطة، ولو بالقوة، وعلى حساب كيانات أخرى في الوطن.

هذا الدعم ليس بجديد، ولكن أصبح في مواجهة مع قوى ثورية تعهدت بمحاسبته ومعاقبته في القضاء محلياً ودولياً وإلغائه سياسياً، إن لم يعد إلى حضن الوطن، والتحول من حزب مسلح إلى حزب سياسي.

كان لا بد من تحالف الفساد، الممثل بالدولة العميقة والحوثيين الذين رهنوا قرارهم لإيران والانقلاب على موجة التغيير التي جرت في اليمن، وحتى بعد التدخل السعودي في اليمن، الذي لم ينتهِ حتى الآن، تعيش بعض القرى والمدن اليمنية انقلاباً على الانقلاب بهدف إلغاء كيانات محسوبة على موجة التغيير.

ومع أن المنقلب في مصر والداعم له في صراع مع المشروع الإيراني، وكل مَن يسانده، سلكت القوتان مسار الانقلاب على محاولات بناء الديمقراطية، وتأسيس دول الحريات السياسية العربية.

انقلاب قيد التنفيذ
كل دولة عاشت ربيعاً سياسياً هي مستهدفة وممنوعة من النجاح، وعليها أن تفشل، ولأن ليبيا دولة تسمح ظروفها باللعب فيها بسبب انهيار الجيش الذي لم يكن جيشاً متماسكاً وذا عقيدة باعتراف الجميع، وغياب الدولة المركزية.

تدخلت القوى الخارجية ودعمت فرقاً بالسلاح والمال والعتاد، تناحر الجميع وسالت الدماء إلى أن سنحت الفرصة وأعلن الانقلاب في إقليم برقة، بقيادة خليفة حفتر، ولكنه لم ينجح حتى الآن؛ لأن المخطط هو بسط السيطرة على كامل التراب الليبي، وبسبب وجود وساطات دولية داعمة للاستقرار، وإلى اليوم تتردد الأخبار عن معارك هنا وهناك، بغية تنفيذ المخطط الانقلابي على أكمل وجه.

انقلاب قيد الدراسة والتخطيط
تونس مهد الربيع والتغيير، منها بدأت رقعة التظاهر والمطالبة بإسقاط الأنظمة، وهي الوحيدة التي خرجت من مشاكلها السياسية الكبيرة والتناحر الحزبي الضيق بأقل الخسائر الممكنة، ولكن ليس للأبد، فكل مدة ومدة تطالعنا تسريبات ومقالات عن مخططات لدعم جهات على الأخرى بهدف تقليب الشارع على مَن هم رعاة الاستقرار السياسي اليوم في تونس عبر عن موجة ثورية هدفها إلغاء فريق بعينه، داعية الجيش إلى التدخل.

ومن قال إنّ الخليج وحدة متماسك؟! ومن قال إنّ تلك الممالك الغناء الآمنة المطمئنة بعيدة عن هذه الترتيبات؟ فمنذ أيام عاد المغرد الشهير "مجتهد" لينشر كواليس السياسة داخل المطبخ السعودي ويخبرنا عن مخطط للانقلاب على العائلة الحاكمة في قطر، إلا أنه توقف في اللحظات الأخيرة، فالأزمة التي بدأت منذ العاشر من رمضان لم تنتهِ بعد مع كثرة الوساطات ودعوات التهدئة، لا بل تتأزم يوماً بعد يوم عبر التهديد باللجوء إلى المحاكم الدولية ورفع قضايا ضد بعضهم.
فشل الانقلاب
تركيا الدولة الإقليمية المتنامية لم تخفِ دعمها لموجات التغيير في المنطقة، فدعمت إعلامياً وسياسياً الثورات منذ نشأتها الأولى، وأصبحت أملاً لشعوب المنطقة ومثالاً يحتذى به، بسبب تفوقها اقتصادياً وصعودها سياسياً عسكرياً وعلمياً، ونجاح التجربة الديمقراطية فيها التي يتشابه مسارها نوعاً ما مع أحداث العالم العربي، ولكي تسقط الأحلام العربية الجديدة لا بدّ من الإطاحة بالحلم الكبير وأملها. وكيف الطريق إلى ذلك؟ السبيل الوحيد هو الانقلاب، فطريق الديمقراطية طريق طويل، ويحتاج إلى أموال لشراء إعلام مضاد وتأسيس أحزاب معارضة وانتظار المواعيد الانتخابية التي ربما لن تأتي أكلها، السبيل هو شراء الذمم، وإسقاط الدولة بالسلاح والعسكر.

الواضح إذاً أن محور الربيع العربي مستهدف من كل الأطراف، وإذا كان وصف المرحلة بعد الثورة مباشرة بزمن الإخوان، فالمرحلة الحالية يجب أن تدعى بزمن الانقلابات.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.