المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

عبدالرحمن أسامة Headshot

لا تكن عزت!

تم النشر: تم التحديث:

خرج من قاعة الاجتماعات بزهو ونظرة كلها ثقة، وبيد محلّاة بساعة يد باهظة الثمن، صافح "عزّت" رئيس مجلس إدارة الشركة التي يعمل بها، الذي بادله المصافحةَ بامتنان بعد أن أقنع العميل -بلسانه المعسول وذوقه المعهود- بالاتفاق، وأومأ إيماءة "جنتل مان" لموظفة العلاقات العامة التي ظلّت منبهرة بأناقته وبطول باله طوال الاجتماع، وقدرته على امتصاص استفزاز العميل، والصبر على أسئلته المتتابعة لمدة أربع ساعات متواصلة.

ثم خرج من باب الشركة بصحبة زميله "عماد"، وحيّا موظف الأمن الذي لم يعِره اهتماماً على غير عادته، فتوقف، واتجه نحوه ليسأله برفق: "ما لك يا عم رجب مش عوايدك، فيه حاجة مضايقاك؟".

فقص عليه عم رجب بعض الأزمات المادية والمشاكل العائلية التي لا تخلو من لغة اتّسمت بالتّسول والمسكنة، فدسّ عزت يده في جيبه فخرجت ضامّةً ورقةً نقديةً شقّت طريقها الى جيب قميص عم رجب، ورَبَتَ على كتفه، فأمطره عم رجب بغيث من الأمنيات السعيدة والدعوات بالمباركة والرزق الواسع.

فمال عليه زميله عماد متسائلاً باستغراب: "انت بتطيق تتعامل مع رجب ده إزاي؟!! ده محدش بيعبره في الشركة، ده راجل نطع!!".

فرد عليه عزت بابتسامةٍ كلّها وقارٌ وطيبةٌ ثم قال: "محدش عارف ظروفه، مش يمكن فعلاً عنده مشاكل هيه اللي مخلياه زي ما بتقول "نطع"؟ الواحد مش باقيله في الدنيا دية غير السيرة الحلوة، ربنا يقدرنا على جبر الخواطر يا عماد".

فنظر له عماد نظرةً ملؤها التوقير والاحترام وأردف قائلاً: "انت راجل محترم"، فشكره عزّت بذات الابتسامة الوقورة وحيّاه ثم اتّجه لسيارته.

ما إن أدار محرك سيارته حتى انطلق تجاهه كالريح ذاك السايسُ مجهولُ الاسم موجّهاً إياه لطريق الخروج من الركنة باقتراحه المبتكر الذي لم يخطر على قلب بشر: "ارجع يا باشا"، ظلّ السايس يرددها حتى رجع الباشا، وتهيأ عزّت للانطلاق قبل أن يمد يده للسايس -مبتسماً- ببعض العملات المعدنية وداعب السايس بـ"نهارك أبيض يا غالي"، فشكره السايس وأطراه بقوله: "تسلم يا جنتل، طريق السلامة يا ذوق".

وصل عزّت إلى بيته، ركب المصعد وصعد إلى شقته، أولج المفتاح في تلك الهوّة المسنَّنَة، ودخل الشقة، وهنا... وهنا فقط، اتّشح وجهه بالعبوس، وتغيرت ملامحه المنبسطة للجميع، واستبدل بها أخرى كثيرة التجاعيد، ولم ينبس ببِنتِ شَفَه، حتى ألقت عليه زوجته "هناء" التحية بوجهٍ مرحبٍ بشوشٍ قائلةً: "حمدالله ع السلامة"، وتساءلت عما نتج عنه اجتماع اليوم التي عرفت موعده منه عندما سبّها صباحاً لتأخرها في تحضير البدلة؛ خوفاً منه أن يتسبب ذلك في ضياع الوقت وفوات موعد الاجتماع، فقد كانت -كما تعلمون- تنظف طاولة الطعام التي تناول عزّت عليها لتوّه طعام الإفطار السيئ الذي تعدّه دوماً هناء البائسة.

لم يرد عليها فقد كان الإنهاك بادياً عليه وتوجه ناحية غرفة النوم، وهنا توقف، ودار بجسده ناحية هناء التي لمعت عيناها واتسعت بعد أن مسحت من عليها نظرة اليأس وخيبة الأمل، واستشرفت شفتيه مرتقبةً أيّة كلمات ودٍّ أو اعتذار أو عتاب ستتحرك بها، فقابلتها شفتاه بلهجة آمرة: "حضَّري الغدا عشان واقع من الجوع!".

***

كم منا عزّت؟
فلنيسر الإجابة ونسهل الحصر فنقول: كم منا ليس عزّت؟!

كثير ما هم الذين يتوددون ويقبلون على مداهنة كل الناس (إلا على أزواجهم).
كثير ما هم من يغدقون على الزملاء والرفقاء بالكلام الطيب اللّين (إلا على أزواجهم).

كثير ما هم من يسرفون في التملق والسؤال عن أخبار الناس والتماس الأعذار لهم والثناء عليهم، إلا على أزواجهم أو الخاصّة المقربين فإنهم غير عابئين، غير متسامحين، غير مقدّرين وغير مراعين لظروفهم وضغوطاتهم الحياتية.

هناك مصطلح يردده بعض علماء النفس يصفون به الأهل والأصدقاء المقرّبين يسمى: "The safe target"، أو الهدف الآمن المأمونةُ ردةُ فعله.
هم يرمون بذلك إلى أنّ عزّت يعلم يقيناً أنه قد ملك قلب هناء، وأنها تتمنى له الرضا ليرضى، وعلى استعداد أن تضيء له أصابعها شمعاً فقط ليحسن عِشرتها، وليحنّ عليها بكلمات كتلك التي يلقيها يَمنةً ويَسرةً على القاصي والداني.

فَلِمَ إذن يكترث لها ويلقي بالاً لكسب ودّها؟!! فهو دون أدنى مجهود يذكر تقبل عليه لكسب ودّه، وتبذل في سبيل ذلك الغالي والنّفيس، فليوسعها إذن قسوةً وعبوساً، ولينتزع منها مراده من خدمة وتذلل، وليقض منها حاجةَ الرجل من زوجته، ولا مانع من إجبارها إن لزم الأمر دون الالتفات إلى كون ذلك يرضيها أو يسوءها، فأقصى ما سترد به إن أصاب هدفه الآمن بالأذى أن تزداد انكساراً، وقد تذرف بعض الدموع التي لا تضيره ما دامت تمسحها جيداً قبل أن يستبضعها لئلا يتأذى منها.

أما مديره وعماد ورجب وموظفة العلاقات العامة، فكل أولئك كان عن تصرفاته معهم مسؤولاً، فيتملق ويداهن ويتلمس مواطن الصفاء ليحدثهم فيما يريد، وقد يُسِرُّ لبعضهم ببواطن نفسه، ويقضي الساعات في التَنَدُّرِ والتَّفَكُّهِ معهم ولا يَمَلُّهُم، فأحدهم إن قسا عليه أو أبدى له سوء خلقه فلن يغفر له، وسيهدم قلاع الودّ التي أضناه بناؤها، وسيُعييه ترميم ما تهدم منها، ويا لها من مأساة!

كم أنت بائس يا عزت!! وكم ذاب من لحم وجهك أطنانٌ في ذل عبوديتك لصورتك أمام الغرباء، وأثقلَت ملامِحَ وجهِكَ أقنعةٌ باسمةٌ ومتعاطفةٌ تبادَلَت عليها، سرعان ما تخلعها جميعاً فورَ إقبالِ أهدافِك الآمنةِ عليك.

خالِقِ الخَلقَ بِخُلُقٍ حَسَن، وانشر البسمة، وتبشّش في وجوه زملائك ومديرك وموظفات العلاقات العامة، وكن مع ذلك حَسَنَ الصحبة لأهلك وأقربائك الساعين لرضاك، بل اخفض لهم جناحك رحمةً واحتواء، واقتد في ذلك بمعلِّم البشرية محمد -صلى الله عليه وسلم- الذي قال:
"خَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لِأَهْلِهِ، وَأَنَا خَيْرُكُمْ لِأَهْلِي".

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.