المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

عبد الرحمن حسين يادم Headshot

الغناء بين الطبقية والشعبوية المصرية

تم النشر: تم التحديث:

غريب أمر الحرية، تحولنا جميعاً إلى مجموعة من المتنمرين على أخلاقيات وسلوك خلق الله جميعاً، فما من هذا الرجل الحر إلا أن يجلس متكئاً على أريكته الوسيرة ويخرج علينا بلسانه الجميل ويشتم ويسب فيما يريد وفيمن يستحق السب أولاً يستحق، فنحن في مجتمع حر.

وبعيداً عن السياسة التي أصبحت أَملّ منها وأجزع من تطوراته القذرة التي سوف تودي بمتابعيها إلى مشانق الانتحار الوشيك، ذهبت إلى ندوة في أحد قصور الزمالك العريقة لأحضر ندوة ثقافية عن الفن ومؤشرات الابتذال، من العنوان شعرت أنني مُقبل على قوم من مُرتدي الطرابيش الحمراء وحاملي النشاشات المصنوعة من شعر حيوان منقرض حديثاً؛ لذا لم تعد النشاشات بدورها موجودة.

وجدت نفسي ميالاً للذهاب إلى هذه الندوة لما أعانيه من فراغ محدق وروتين قاتل، فالأيام متشابهات، فلا فارق بين الإثنين والأربعاء فكلها تمر بنفس الخطوات الهادئة كأنها الإعادة، الندوة كانت في السابعة مساء يوم الثلاثاء الماضي، في يومها كان لديّ دراسة في الصباح وعمل متراكم عليّ يجب أن يسلم خلال أيام قليلة، لكني أريد أن أهرب من كل الضغوط وتغيير وتيرة الواقع المزيف المحيط بي والحاضن لأفكاري العاهرة والمختلّة، كما يظن البعض.

ذهبت إلى الندوة لأجد عدداً لا بأس به يملأ القاعة، الأعمار تتراوح بين العشرين والثمانين والغالبية ما فوق الأربعين، هنالك موسيقى هادئة في الأجواء، أعتقد أنها سيمفونية موتسارت الحادية والأربعون، الإضاءة خافتة على الجمهور ساطعة على المتحدثين من فوق المنصة، ناقدة فنية شابة تتحدث عن حقبة أفلام المقاولات في الثمانينيات واستمرار هذه الظاهرة حتى الآن، ولكن اختلفت العباءة التي تحتضن العمل الفني من الثمانينيات حتى الآن.

جلست في آخر القاعة وأجهز نفسي كي أغط في نوم عميق أو حالة من السرحان الوجودي خلال الندوة المعادة والمكررة كثيراً قبل ذلك، فكلنا نعرف سينما المال والهدف من وجودها فأي مقاول هدفه الربح أياً يكن المُنتج الأخير، نظرت إلى السيد المحترم المجاور لي فوجدته ينظر في مكان آخر غير مصدر الصوت لأجد مصدراً آخر وهو مصدر الصورة؛ حيث تجلس فتاة جميلة بشعر أصفر طويل وذراعين لا تشعران بالبرد، فابتسمت وأخرجت هاتفي لأجعله صامتاً؛ كي أنام في أريحية، فليس هناك جديد يُقال.

يجب أن نعيد تأهيل قاطني العشوائيات، فهم السبب فيما نحن فيه من تأخر وابتذال وإسفاف، هكذا خرجت الجملة من فم امرأة أرستقراطية من ملابسها الباريسية وطريقة حديثها عرفت مدى الرفاهية التي تعيشها هذه الحسناء بفعل مساحيق التجميل، وبدونها سوف نفاجأ بتأثير العمر قابعاً في تجاعيدها، لا أعرف لما شعرت بالضيق من هذه الجملة الطبقية المستفزة، فسبب هذا الهياج الشامل من هذه المرأة والكثير من الطبقيّين أمثالها كان بسبب تطرق الناقدة الفنية إلى موضة المهرجانات الشعبية السائدة الآن.

أنا أحد المتيمين بفيروز أنّى توجهت دندناتها، ولكن هذا لا يعني أنني أقارن بينها وبين المهرجانات التي أيضاً أستمع إليها، فهذه حالة مذاجية وهذه حالة أخرى، لي صديق يجلس معي على المقهى يحب الموسيقى الشعبية، ويفضلها على الكلاسيكية فهذا رأيه وذوقه ولا أسفّه منه ولا أجبره على سماع فيروز معي، ولكن يحكمنا مبدأ الخصوصية وسماعات الأذن، باب النقاش مفتوح داخل القاعة وأغلب الآراء ساخطة على موسيقى المهرجانات ومن يسمعها، وإنما وصل الأمر إلى التحقير من مُريدين هذا الاتجاه الشعبي، ليطلق أحد الجالسين مُسمى أبناء عدوية -نسبة إلى أحمد عدوية- على كل المغنّين الشعبيين وأصحاب موسيقى الخبط والهبد "المهرجانات".

حصلت على الكلمة بعد مجهود مضنٍ في رفع يدي ووجهت الكلمة للجميع وليس لقائدة الحوار فقط؛ حيث أشرت إلى اختراع الريموت كنترول فمن لا يعجبه شيء لا يستمعه، وليس من حق أحد أن يسفّه من الآخرين أو يقلل منهم، فلكل شخص ذوقه الخاص الذي يفضل به الأشياء المشكّلة لشخصيته، وعلى الرغم من ذلك نحن نحاول أن نكون ديكتاتوريين في جعل الجميع يستمع إلى الموسيقى التي نفضلها، وكم هو الآخر جميل فنطوى على موسيقاه ولم يفكر في إجبارنا عليها.

لاقى كلامي استحساناً من القليلين، ولكن ظلت الأغلبية عند مبدئها المُعادي لهذه الموسيقى، وفي نهاية الجلسة القصيرة نسبياً وجهت لي إحدى الصديقات سؤالاً جميلاً؛ حيث أكدت أنها تستهوي الموسيقى الشعبية في بعض أوقات الجنون، ولكن هذه الموسيقى تفتقر إلى الخيال والجماليات وبالتالي لا تعتبر اتجاهاً موسيقياً يمكن الاعتراف به، فجاوبتها أن هنالك ما يسمى "المعاناة"؛ حيث تتجسد في قلب الاتجاه الشعبي ومضمونه الراسخ في الكلمات قبل اللحن الخجول الذي يحاول أن يخفي فقره في الصراخ فوق النوتة والقواعد الموسيقية، أخذت قلماً وورقة وقلت لها: سوف أقول لكِ مجموعة من العبارات المُغناه في أحد المهرجانات وأنتِ أصدري حكماً.

وكتبت لها كلمات مهرجان الشاب إسلام فنتا "صباح بوغاشا" الذي أحفظ أغلب جمله، وبعد أن قرأت، قلت لها: هذا شاب يعاني من الحياة البائسة والضيق المادي الذي يفرضه الواقع الذي يعيشه، والفن هو نتاج المعاناة، ولكن الأدوات التى يملكها هذا الشاب هي التي أخرجت المضمون بهذا الشكل النهائي قد يكون صراخاً كما يُقال، ولكن حينما يفيض الكيل بكِ في هذه الحياة، فإنكِ تصرخين.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.