المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

عبد الرحمن حسين يادم Headshot

منتدى عواجيز العالم

تم النشر: تم التحديث:

بينما أتناول العشاء مع أمي في ساعة متأخرة من الليل كالعادة الخاصة بنا يوم الخميس، ثم نشرب الشاي، ويكون صوت عبدالحليم حافظ في خلفية الحوار بيننا دائماً كأنه طقس ديني هادئ، أمي تعشق العندليب الأسمر، رغم أنه مات وهي لم تكمل العاشرة من عمرها بعد، وفي غفلة من أمري وجدت أمي تقول لي: ارجع هكذا إلى الفيديو الذي مر، طبعاً هي عادة أمي الفضولية التي تتبعها دائماً معي وأنا أتصفح الفيسبوك من هاتفي.

عدت إلى الفيديو المُراد وكان من شرم الشيخ؛ حيث يُقام مُنتدى شباب العالم، وكان أبطال الفيديو مجموعة من الحسناوات من طريقة اللبس والرقص لا ينتمين إلينا نحن الأغلبية المصرية الكادحة الصامدة الصامتة التي تقشفت أيديها من العمل، واضمحل عقلها من التفكير في كينونة الغد الغامض لأمثالنا.

أعطيت الهاتف لأمي كي تُمعن النظر في ممثلات الشباب المصري داخل المنتدى، فسمعت صوت مص ليمون يصدر من شفتيها، وتنهيدة لا أعرف ما سببها، ولكنها ألقت بالهاتف لي وقالت: ألست شاباً أيها البائس؟ نعم إنها بداية الحوار الحقيقي الذي سيأخذنا إلى الفجر، و نحن لن نكمل فيه ولن نلتقي فكرياً من الأساس، فأمي من مُحبي الاستقرار والهدوء والاستماع لعبدالحليم، ابن ثورة الأحرار التي لا تعرف عن الحرية شيئاً.

أتعرفين يا أمي، أنا لست شاباً، فأنا من فئة رواد المقاهي، ألعب الطاولة وألقي النرد، وأكثر ما يسعدني هو تلاقي وجهي النرد على فئة الستة، أتعرفين يا حبيبتي، هذا يسعدني أكثر من وعود التنمية والعمل تجاه الإعلاء من قيمة الشباب، فكيف أفرح لهذه الخطابات وأنا من رواد مقاهي العواجيز؟

كالعادة تتأفف مني وتلعن حظها الذي وهبها ابناً كئيباً بائساً مثلي، ولم يعطها إحدى الراقصات في الفيديو الجميل السابق، بالفعل فالراقصات دائماً يفتحن النفس على الحياة، ذلك لأن الراقصة تتمتع برغد الحياة على ما أعتقد، ولديها أمل في الاستمرار بالمتعة خلال الهزات والرقصات المختارة.

انتهيت من كوب الشاي ووضعته على حافة المنضدة، وافترشت أأمن مكان في العالم -حِجر أمي- لأستعد بمجموعة من الحجج سوف تقنعها بعدم مشاركتي في منتداهم مع شبابهم.

أولاً : أنا قدمت في أحد منافذ المنتدى هذا ووضعت اسمي وبياناتي عَلي أُقبل وأسافر معهم، ولكنهم يا أمي لم يهتموا بي، والاهتمام لا يُطلب، ومن الأشياء المضحكة أنني عندما كنت أسجل كان هنالك رجل يبلغ من العمر الستين ويزيد عنها بعامين، وكان مصمماً على المشاركة وتسجيل بياناته، وعندما استفسر القائم بتسجيل البيانات عن سبب إلحاح الرجل العجوز على المشاركة في منتدى الشباب، فكان رده قوياً؛ حيث قال إنه عالم في الأسمدة الزراعية ولديه مُخططات ومخطوطات مفيدة سوف تُعلي من شأن مصر، مع العلم أن السن المسموح هو 45 كحد أقصى، ولكن هذه الفئة السنية لن تموت ولن تنتهي يا أمي، وأعتقد أنك لن تكوني من ضمنهم؛ لأنك دائماً شباب ويحق لكِ المشاركة دائماً، وأعدكِ سوف أقدم لكِ في المؤتمر القادم.

ثانياً: هذا المؤتمرمُقام في شرم الشيخ التي إذا أردت أن أذهب إليها سوف آخذ يوماً كاملاً في الأتوبيس حتى أصل إليها، وطبعاً أنا ليس لدي المال الكافي للاستمرار هناك على نفقتي، إذا استطعت التواجد هناك من الأساس! وبالطبع لم أضع في مخيلتي السفر جواً، لا سمح الله، وذلك لأننا فقراء "أوووي"، كما قال سيادة الرئيس.

ثالثاً: إذا شاركت ماذا سوف أقول؟

تحدثوا مع شباب الزنازين الضيقة، المُلقى بهم بلا مبرر وليست حتى على ذمة قضية، سوف أحثهم على التحدث مع الشباب الجالس على المقهى ليس لأنه عاطل، وإنما لأنه يائس من راتبه الذي لا يستطيع من خلاله سوى إشباع متعته البسيطة، وهي الجلوس لاحتساء العمر الذي يمضي وهو جالس في نفس المكان في الزاوية المفضلة لديه في آخر المقهى، تعرفين يا أمي سوف أقول لهم: إن كل الشباب الحاضرين معهم لا يعرفون كلمة "لا" وليست موجودة في معجمهم المخلوط عربيته على إفرنجيتهم، فهم من فئة العواجيز قبل الأوان، فهو منتدى عواجيز العالم فكراً لا سناً، لكني لا أعتب عليهم فقد أكون مثلهم في يوم من الأيام إذا ما كبلتني الأموال أو أعماني حب الوصول إلى سلطة زائفة.

لو كنت هناك لقلت لهم كفوا عن التصفيق، واكتبوا ملاحظات عما يُقال، أو اكتبوا عن الوطن الذي يُغيب حتى نسي ملامحه وحدوده، نحن نحتاج أن نتحدث مع كل الشباب من كل الطوائف والجهات، أعيب أن نتحاور مع الشباب المكبلة أيديه بقيود اللاوعي الأوتوقراطي الجاهل؟

لكنهم يعلمون أن الشباب المكبل سواء على المقهى أو في الزنزانة سوف يسأل عن النيل والحدود والديمقراطية والانتخابات وحقوق الإنسان وحرية الصحافة وحرية الرأي وميزانية الدولة وميزانيات الجهات التنفيذية.. إلخ من الأمور المحرمة.

أرجوكِ يا أمي، دعكِ من هذا الكلام لنستمع لعبدالحليم وهو يغني "عبدالناصر حبيبنا".

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.